عمتي اتجننت تماما في عزومه أول يوم رمضان ( حكايات مني السيد)

لمحة نيوز

كان عليا ضيقة.. إنتي مش فاهمة، البيت كان هيتخرب.. هفهمك والله العظيم كل مليم هيرجع..
قطعت كلامها وقولتلها ببرود مش هيرجع.. لإنك أصلاً مسحبتيش الفلوس كاش في إيدك يا عمتي.. انتي حولتيها في نفس الدقيقة لحساب شخص تاني خالص.. شخص لو ستي عرفت هو مين، مش بس هتطردك من البيت.. دي هتبرى منك لآخر يوم في عمرها.
الصالة كتمت، النفس اتقطع، والعيون كلها اتعلقت بيا.. وميرفت حطت إيديها على وشها وانهارت على الأرض وهي بتعيط بهستيريا وبتصرخ لأ يا ندى.. لأ وحياة الغالي عندك ابوس إيدك لأ!
الصالة كانت بتغلي على نار هادية، والمشهد اتحول من لمّة عيلة على فطار أول يوم في الشهر الكريم لمحكمة تفتيش كل أركانها بتهتز بالفضايح. ميرفت كانت قاعدة في الأرض ساندة ضهرها على النيش الخشب، عبايتها اتمرمطت في عصير الخشاف المدلوق على البلاط، وصوت شهقاتها وطالع زي حشرجة الموت. مفيش دموع حقيقية، كان خوف صرف، رعب الوشوش اللي بتتقلع عنها الأقنعة فجأة فتلاقي نفسها عريانة تماماً قدام حقيقتها القبيحة.
ستّي كريمة محركتش صباع واحد، ولا حتى مدت إيدها تسند بنتها اللي بتمثل الانهيار. كانت باصة لميرفت بعينين جامدة مفيش فيها دمعة واحدة، بس الوجع اللي كان طالع من ملامحها كفيل يهد جبال. السنين اللي عاشتها ستّي تربي وتكبر وتشيل شقا أبوهم الله يرحمه وتصون القرش الأبيض لليوم الأسود، كلها كانت بتعدي قدام عينيها في شريط سريع ومر. رفعت راسها وبصتلي، وعينها البنية الدبلانة من الزمن بتطلب مني الحقيقة كاملة من غير أي رتوش.
كملي يا ندى. صوت ستّي طلع واطي بس كان بيشق سكوت الأوضة كأنه موس. انتي بدأتي حبل الكلام، متسيبيهوش معلق. انطقي وقولي مين الشخص ده؟ وبنتي ميرفت ودّت شقايا وتعب السنين لمين؟
أمي سمر قربت من ستّي بخطوات بطيئة، وحطت إيدها على كتفها وهي بتعيط بحرقة يا أمي عشان خاطري اهدي.. الضغط هيعلى عليكي وسكرك هيسقط، تعالي ندخل جوة ونتفاهم بالراحة، بلاش كلام قدام الصغيرين.. ده رمضان يا أمي والناس صايمة.
إسلام أخويا
انتفض من مكانه فجأة، ووشه كان محتقن بالدم وعروق رقبته ناطة، صرخ في أمي بنبرة عصبية مقدرش يكتمها صغيرين مين يا ماما؟! انتي لسه شايفة إننا صغيرين ولازم نتداس بالجزم ويتخرب بيوتنا ونسكت عشان ست ميرفت تفضل عايشة دور الهانم الشريفة؟! بنك ووديعة وتحويلات وإحنا قاعدين زي المغفلين! انطقي يا ندى، متسكتيش، كملي وخلي العيلة دي تنضف من قرفها بقى!
طارق جوزي مسك كتف إسلام وهداه براحة اهدى يا إسلام، متعلّيش صوتك على والدتك، كل حاجة هتتعرف بالعقل والأصول. طارق بصلي وهز راسه بهدوء، نظرة كان معناها خلاص، مفيش مجال للرجوع، الحقيقة لازم تتقال كلها ومفيش حد يلومك بعد كده.
أنا وقفت، سندت إيدي على حرف السفرة وحسيت بتقل بطني والبيبي اللي في حشاي بيتحرك حركة خفيفة كأنه بيطمني. بصيت لميرفت اللي كانت بتدفن وشها في ركبها وبتندب بصوت واطي منك لله يا ندى.. خربتي بيتي.. منك لله يا شيخة.
ضحكت ضحكة وجع، وقولتلها بصوت صافي مسموع لكل اللي في الصالة أنا اللي خربت بيتك يا عمتي؟ ولا انتي اللي بيتك مخروب من يومه بالكدب والسرقة والغل؟ فاكرة لما جيتيلي البيت من تمن شهور؟ فاكرة لما كنتي راكعة على ركبتك في صالوني زي ما انتي راكعة دلوقتي كده وبتبوسي إيدي عشان مقولش لأمي ولا لستّي؟ فاكرة حكايتك اللي لفتيها عليا ولا أفكرك بالاسم اللي انتي حولتيله الفلوس؟
ميرفت رفعت راسها فجأة، عينيها كانت محمرة كأنها جمر، وصوتها طلع مخنوق زي فحيح التعبان
انتي ملكيش دعوة بيه! انتي متعرفيش حاجة! ده ابني.. ضنايا اللي من صلبي.. أرميه يعني؟! أسيبه يضيع عشان شوية ورق وفلوس وسخة؟!
الكلمة نزلت على ودن ستّي زي الصاعقة. ابنك؟ ستّي سألت الكلمة وهي بتبص لميرفت بعدم استيعاب ابنك مين يا ميرفت؟ هو انتي حيلتك غير أحمد بنتك وبنتك التانية نهى؟
لأ يا ستي.. مش أحمد ولا نهى، أنا اللي رديت، ومسبتش لميرفت فرصة تلف وتدور أكتر من كده الفلوس اتحولت لحساب حسام.. حسام ابن جوزها المرحوم اللي الكل عارف إنه قاطعها ومبيطقش يشوف وشها من يوم ما أبوه مات وسابلها الشقة.. حسام اللي كلنا عارفين إنه بتاع قمار وشيكات من غير رصيد ومطارد من طوب الأرض!
أمي شهقت شهقة خلتها ترجع لورا وتقعد على الكرسي مهدودة الحيل، وإسلام ضرب كف على كف وهو مش مصدق حسام؟! الصايع اللي كان بيتهجم عليكي زمان وكان عايز ياخد الشقة غصب؟! انتي بتديله ربع مليون جنيه من فلوس ستّي ليه يا ولية انتي؟!
ميرفت انهارت في العياط بجد المرة دي، صوت نحيبها ملأ البيت، بس مكنش ندم على الفلوس، كان ذل وانكسار مرير. رفعت إيديها الاتنين في الهوا وبقت تضرب على فخادها وتولول مكنش في إيدي حاجة يا ماما! مكنش في إيدي! حسام كان ماسك عليا وصلات أمانة.. كان هيدخلني السجن ويفضحني في وسطيكم وفي المنصورة كلها! كان جايبلي ناس مسجلين لحد باب البيت يهددوني بالقتل لو مخدش نصيبه من فلوس أبوه اللي قالي إني لهفتها بعد ما مات!
لهفتي إيه وسرقتي
إيه؟! ستّي كريمة قامت وقفت، ومشيت خطوات تقيلة لحد ما وصلت لميرفت، وقفت فوق دماغها زي
تم نسخ الرابط