فستان فرح جدتي بقلم روماني مكرم
كان بيدق بعنف، لدرجة إني حاسة صوته مسموع في الأوضة.
قلت بخوف
هو عرف يوصل ليا؟
خالتي هزت راسها بالنفي وقالت
لا أنا قلت له ما أعرفش حد بالاسم ده.
سكتت لحظة وبعدين كملت
بس من نظرته فهمت إنه مش هيسيب الموضوع بسهولة.
قعدت ساكتة شوية، عقلي بيحاول يستوعب كل اللي سمعته في يوم واحد.
أمي عايشة
أبويا شخص خطير
وكان بيدور عليا.
رفعت عيني ناحية خالتي وسألتها السؤال اللي كان بيحرق قلبي
طب أمي فين؟
خالتي ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت
مستنياكي.
اتجمدت.
مستنياني؟
هزت راسها آه.
أنا كلمتها أول ما عرفت إنك جيتي النهارده.
حسيت دموعي بتنزل من غير ما أحس.
يعني هقدر أشوفها؟
قالت بهدوء
لو إنتي عايزة هي مستنياكي من سنين.
وقتها بس حسيت إن في جزء ناقص في قلبي طول عمري ممكن يرجع مكانه.
لكن قبل ما أتكلم، خالتي
كانت سلسلة فضة قديمة.
قالت
دي كانت بتاعتك وإنتي رضيعة أمك فضلت محتفظة بالتوأم بتاعها طول السنين دي.
مسكتها بإيدي ودموعي نزلت أكتر.
وفجأة فهمت حاجة مهمة.
جدتي ما خبتش الحقيقة علشان تجرحني
هي خبتها علشان تحميني.
وقفت من مكاني وقلت لخالتي بصوت ثابت لأول مرة من الصبح
أنا عايزة أشوف أمي.
ابتسمت وقالت
يبقى لازم نسافر.
سألتها بسرعة
فين؟
ردت بهدوء
الإسكندرية
ضحكت وسط دموعي.
رجوعي لنفس المكان اللي بدأت فيه القصة.
لكن المرة دي مش علشان أودع حد.
المرة دي علشان أقابل أمي لأول مرة في حياتي.
وبين الفستان القديم والرسالة اللي اتخبت سنين
حياتي اتغيرت بالكامل.
وفهمت إن بعض الأسرار
بتستخبى طويلًا
لكن لما وقتها ييجي
بتغير كل حاجة.
ركبت أنا وخالتي ليلى العربية في نفس اليوم
الطريق كله كنت ساكتة
قلبي مليان خوف وفرحة في نفس الوقت.
بعد سنين طويلة من الأسئلة
قربت أعرف الحقيقة كاملة.
وصلنا قدام عمارة قديمة قريبة من البحر.
قلبي بدأ يدق أسرع.
خالتي بصت لي وقالت بهدوء
هي فوق مستنياكي من الصبح.
طلعت السلم وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاي.
وقفت قدام باب الشقة
إيدي كانت بترتعش وأنا بخبط.
الباب اتفتح ببطء
وظهرت قدامي ست في أواخر الأربعينات.
شعرها فيه شوية شيب
لكن ملامحها
ملامحي أنا.
وقفنا نبص لبعض لحظات طويلة من غير كلمة.
وفجأة عينيها امتلأت بالدموع.
وقالت بصوت مكسور
مريم
أول مرة في حياتي أسمع أمي بتنطق اسمي.
دموعي نزلت فورًا.
وقبل ما أتكلم لقيتها حضنتني حضن قوي كأنها بتحاول تعوض سنين عمرها كلها.
كانت بتبكي وتقول
سامحيني سامحيني يا بنتي.
حضنتها
وحسيت لأول مرة إن في مكان في الدنيا أنا أنتمي له فعلًا.
بعد ما هدينا شوية قعدنا نتكلم.
عرفت منها إنها فضلت طول السنين دي عايشة بعيد علشان تحميني من أبويا.
وإنها كانت بتتابع أخباري من بعيد عن طريق جدتي.
لكن أكتر حاجة طمنت قلبي
إن الراجل اللي كان سبب كل ده
اختفى من سنين طويلة.
ماحدش سمع عنه حاجة تاني.
كأن الدنيا أخدت حقها منه.
بعد أيام قليلة
رجعت القاهرة وأنا مش نفس الشخص.
رجعت وأنا عندي أم وخالة وعيلة.
وفي يوم فرحي
لبست فستان جدتي.
وقبل ما أخرج للقاعة
أمي كانت واقفة جنبي بتعدل الطرحة.
بصت لي في المراية وقالت وهي مبتسمة
جدتك كانت هتكون فخورة بيكي.
ابتسمت وأنا شايفة دموعها.
في اللحظة دي فهمت حاجة مهمة
الفستان ده ما كانش مجرد فستان فرح
ده كان سر
ورسالة
وطريق رجعني لعيلتي اللي
وأحيانًا
أغلى الحكايات بتبدأ
بورقة صغيرة مخبية في جيب فستان قديم.
تمت حكايات رومانى مكرم