بعد وفاة ابني راقبت أرملة ابني بقلم بانسيه

لمحة نيوز

شفت مرات ابني الأرملة بتنزل من عربيتها وترمي شنطة كبيرة في النيل
بعد وفاة ابني، راقبت أرملة ابني، وشفت اللي مكنتش عمري أصدقه، لقيتها مخبية في عربيتها شنطة كبيرة وبترميها في النيل، الفضول قتلني، استنيت لما مشيت وقربت اشوف فيها إيه، سمعت صوت ضعيف، واضح انها رمتها عاوزه تتخلص منها ومحدش يسمعها، ولا يكتشف اللي جواها، ولما قربت منها وحاولت اسحبها وفتحتها لقيت مفاجأة وسر لا يمكن أتخيله
.
الشنطة دي ما اترمتش في الميه بالغلط دي اترمت علشان محدش يسمع اللي جواها!
دي كانت أول فكرة جت في بالي وأنا شايفة ميرنا، مرات ابني، بتنزل بسرعة من عربيتها السودا جنب ترعة المحمودية.
كنت قاعدة قدام بيتي في قرية هادية على أطراف المحمودية، وماسكة كباية شاي بردت بين إيديا، لما شفتها جاية بسرعة تثير التراب وراها.
من يوم ما ابني مراد مات من تمن شهور، وميرنا تقريبًا اختفت من حياتنا. ولو كانت بتيجي، كانت بتيجي علشان ورق، أو فلوس، أو أي حاجة تقول إن مراد وعدها بيها.
ولا مرة جت تقرأ له الفاتحة.
ولا مرة سألتني أنا عاملة إيه.
وأنا فاطمة، ست عندي ٦٦ سنة، اتعلمت أدفن وجعي جوايا وأسكت.
لكن اليوم ده وش ميرنا ماكانش وش واحدة مكسورة على جوزها.
كان وش واحدة بتهرب.
فتحت شنطة العربية الخلفية بعصبية، وطلعت شنطة سفر بنية جلد. عرفتها فورًا دي نفس الشنطة اللي مراد جابهالها بعد جوازهم لما سافروا شرم الشيخ.
كانت بتجرها ناحية الميه وهي كل شوية تبص حواليها بخوف، كأن حد بيراقبها.
صرخت من بعيد ميرنا!
ما بصتش ناحيتي حتى.
شفتها وهي بتاخد نفس قوي، وترجّح الشنطة بكل قوتها وترميها في الترعة.
صوت وقعتها كان تقيل مرعب.
الشنطة فضلت طافية ثواني بسيطة، وبعدها بدأت تغرق ببطء.
ميرنا جريت بسرعة على عربيتها، وطلعت بأقصى سرعة من غير ما تبص وراها.
لحد النهارده معرفش جبت القوة دي منين.
نزلت أجري من البيت، وعدّيت الجنينة الصغيرة، وقلبي كان بيدق بعنف كأنه هيقف.
الميه كانت باردة والطين بيشد رجلي لتحت، لكن كان فيه صوت جوايا بيصرخ ما تسيبيهاش تغرق!
ولما مسكت إيد الشنطة، حسّيت إنها تقيلة بشكل مرعب.
شدّيتها بكل قوتي لحد ما طلعتها على الشط.
وفجأة
سمعت صوت.
خفيف جدًا.
زي أنين صغير.
زي نفس محبوس بالعافية.
إيديا كانت بتترعش وأنا بحاول أفتح السوستة المبلولة.
ولما اتفتحت أخيرًا
حسّيت الدنيا كلها بتنهار فوق دماغي.
كان جوا الشنطة طفل رضيع ملفوف في بطانية زرقا مبلولة.
مولود لسه جديد.
جسمه كان بارد، وشفايفه مزرقة، وما بيتحركش.
الحبل السري مربوط بخيط عشوائي، كأنه اتولد في السر من غير دكتور من غير مستشفى من غير حد يستقبله بحب.
همست وأنا ببكي لا يا ساتر يا رب لا
شيلته بحذر وضمّيته لصدري، وحطيت خدي جنب مناخيره.
كان فيه نفس.
ضعيف جدًا
بس فيه

نفس.
جريت بيه على البيت أسرع من أي مرة جريت فيها في حياتي.
اتصلت بالإسعاف بإيد، بالإيد التانية.
كنت بصرخ في التليفون وأنا بعيط الحقوني طفل بيموت بالله عليكم بسرعة!
المسعفة فضلت تقولي نشّفيه غطّيه كويس حاولي تدفيه
ولما الإسعاف وصلت، المسعفين أخدوه بالعافية.
لكن أنا ركبت معاهم.
ماقدرتش أسيبه حتى لو ماكانش حفيدي.
في المستشفى، ممرضة سألتني بصوت مرتبك مين اللي رمى الشنطة؟
بلعت ريقي بصعوبة وقلت مرات ابني أنا شفتها بعيني.
بعدها بساعات وصلت الشرطة.
خلّوني أحكي كل حاجة من أول وجديد.
لكن أول ما قلت اسم ميرنا الضباط بصوا لبعض بنظرات غريبة.
واحدة من الظباط، اسمها المقدم فريدة، قربت مني وقالت يا مدام فاطمة لازم نتأكد من حاجات كتير قبل ما نتهم حد.
بصتلها بعدم استيعاب. نتأكد من إيه؟! أنا شفتها!
لكن الصدمة الحقيقية جات بعدها بساعات.
رجعت الظابطة وقالتلي حاجة خلّت الدم يتجمد في عروقي
فيه كاميرا مراقبة صوّرت عربية ميرنا في مكان تاني تقريبًا في نفس الوقت.
بقيت أبصلها وأنا مش قادرة أستوعب.
إزاي؟!
يعني أنا كنت بتخيل؟!
قالوا يمكن حزني على مراد خلاني أشوف حاجات مش حقيقية.
قالوا يمكن كنت بدور على مذنب بأي طريقة.
لكن أكتر سؤال كسّرني فعلًا
لما المقدم فريدة بصتلي مباشرة وقالت إنتِ كنتِ بتكرهي مرات ابنك صح؟
وقتها حسّيت إن الكابوس الحقيقي لسه ما بدأش
وإن السر اللي كنت على وشك أكتشفه أخطر بكتير من مجرد طفل مرمي في شنطة...
.
قضيت الليلة كلها في المستشفى وأنا قاعدة قدام حضانة الأطفال، عيني معلقة على الرضيع الصغير اللي كان محاط بأسلاك وأجهزة أكبر من جسمه نفسه. كل شوية الجهاز يطلع صوت رفيع يخلي قلبي يقف، والممرضات يدخلوا يظبطوا حاجة وأنا أقعد أقرأ قرآن بصوت مرتجف وأدعيله كأنه حفيدي فعلًا.
الغريب إني ماقدرتش أبصله كطفل غريب.
من أول ما ضميته لصدري وأنا طالعة بيه من الترعة حسيت بحاجة اتكسرت جوايا وصحّت في نفس الوقت.
يمكن لأني بعد موت مراد، البيت بقى ميت.
صوته اختفى.
ضحكته اختفت.
حتى ريحة قهوته الصبح اختفت.
وفجأة ظهر الطفل ده من قلب كابوس.
المقدم فريدة دخلت القاعة بهدوء وهي ماسكة ملف أسود رفيع. كانت ست في أواخر الثلاثينات، ملامحها جامدة، لكن عينيها ذكية بشكل يخوف.
وقفت جنبي وقالت الطفل حالته مستقرة شوية دلوقتي.
حمدت ربنا وأنا بامسح دموعي بسرعة.
لكنها ماقعدتش.
فضلت واقفة تبصلي كأنها بتقيس كل حركة في وشي.
وقالت فجأة علاقتك بمرات ابنك كانت عاملة إزاي؟
اتوترت فورًا. عادية.
رفعت حاجبها. عادية لدرجة إن أهل البلد كلهم عارفين إنكم كنتم متخانقين على الورث؟
حسيت بالإهانة. أنا ماطلبتش منها غير حقي وحق ابني الله يرحمه.
وهي كانت شايفة إنكِ بتتهميها إنها السبب في موته.
قلبي دق بعنف. وأنا ماقلتش كده!

لكن الحقيقة إني فكرت فيها.
مراد مات في حادثة غريبة.
عربيته وقعت من فوق الطريق الزراعي بالليل واتقلبت في الترعة.
قالوا إنه كان سايق بسرعة.
لكن ابني ماكانش متهور.
وعمره ما شرب.
ولحد النهارده كان فيه حاجة جوايا بتقول إن الحكاية مش طبيعية.
المقدم فريدة فتحت الملف وقالت كاميرات المراقبة بتاعة محطة البنزين اللي على أول الطريق صورت عربية ميرنا الساعة ٦١٢ ووقت رمي الشنطة تقريبًا كان ٦٠٥.
بقيت أبصلها بعدم فهم. يعني إيه؟
يعني نظريًا مستحيل تكون هي اللي عند الترعة.
اتنهدت بعنف. بس أنا شوفتها!
قربت مني أكتر وقالت شوفتي عربية شبه عربيتها؟ ولا شوفتي ميرنا بنفسها؟
فتحت بقي علشان أجاوب لكن الكلام وقف.
لأني فجأة افتكرت حاجة صغيرة جدًا.
ميرنا كانت لابسة نضارة شمس كبيرة.
والطرحة ملفوفة حوالين وشها.
وأنا فعلًا ما شفتش غير نص وشها.
لكن مستحيل. مستحيل أكون غلطت.
همست كانت هي
المقدم فريدة قفلت الملف وقالت أحيانًا عقل الإنسان وهو مكسور بيشوف اللي هو مستنيه يشوفه.
الجملة جرحتني أكتر من الاتهام نفسه.
خرجت الظابطة وسابتني لوحدي مع أفكاري السودا.
لكن بعد حوالي ساعة، وأنا قاعدة قدام الحضانة، لمحت شخص واقف بعيد آخر الممر.
ست.
لابسة إسدال أسود.
واقفة تبص على الطفل من بعيد.
أول ما عينينا اتقابلت اتحركت بسرعة ومشت.
قمت وراها فورًا رغم رجلي اللي كانت لسه بتوجعني من الطين.
وصلت لآخر الممر لكن الست اختفت.
وكأن الأرض بلعتها.
فضلت واقفة بقلبي اللي بيدق بعنف، لحد ما سمعت صوت ممرضة بتناديني يا مدام فاطمة.. الطفل فاق شوية.
رجعت بسرعة.
دخلت الحضانة بإذن الممرضة، وشوفت الطفل الصغير فاتح عينيه نص فتحة.
عينين سودا واسعة.
مرعوبة.
زي طفل اتولد في العالم الغلط.
قربت من الحضانة الزجاجية ومديت صباعي بحذر.
والمعجزة إنه حرك إيده الصغيرة جدًا ومسك طرف صباعي.
في اللحظة دي انفجرت في العياط.
لأن آخر مرة إيد صغيرة مسكتني بالشكل ده كانت إيد مراد وهو طفل.
بعدها بساعتين، الدكتور طلب يقابلني.
دخلت مكتبه وأنا مرعوبة.
قال بهدوء الطفل غالبًا اتولد من أقل من ٢٤ ساعة.
بلعت ريقي. يعني؟
يعني اللي ولدته كانت في خطر كبير لو ولدت لوحدها فعلًا.
سألته بتردد ينفع تكون ميرنا؟
بصلي للحظة قبل ما يرد محتاجين فحص طبي علشان نعرف إذا كانت ولدت قريب ولا لأ.
ولأول مرة حسيت بالخوف الحقيقي.
لأن لو طلعت ميرنا مش أم الطفل
يبقى مين؟
خرجت من المكتب لقيت المقدم فريدة واقفة مستنياني.
قالت محتاجين تروحي البيت شوية ترتاحي.
هزيت راسي بعند. مش هسيبه.
الطفل هيفضل هنا تحت الملاحظة يومين على الأقل.
سكت شوية وبعدين قالت في حاجة لازم تعرفيها.
قلبي اتقبض. إيه؟
فتحت الملف وطلعت صورة.
ولما شفتها شهقت.
كانت صورة مراد.
ابني.
لكن مش الصورة اللي أعرفها.

الصورة كانت من كاميرا مراقبة قديمة في موقف سيارات بالقاهرة.
وتاريخها قبل موته بثلاث أيام.
وكان واقف جنب ست.
ست حامل.
بطنها واضحة جدًا.
لكن وشها مش ظاهر في الصورة.
فريدة قالت بهدوء الصورة دي لقيناها ضمن تحقيق قديم مرتبط بحادث ابنك.
حسيت رجلي بتضعف. تحقيق قديم؟
عربية ابنك ماكنتش سليمة وقت الحادث.
بصتلها بصدمة. يعني إيه؟
الفرامل كانت متعطلة بشكل متعمد.
حسيت الدنيا بتلف حواليا.
من ثمان شهور وأنا بدفن ابني كل يوم والنهارده لأول مرة حد يقولي إنه يمكن ما ماتش بحادثة.
همست بصعوبة مين عمل كده؟
فريدة سكتت ثواني، وبعدين قالت لسه مانعرفش.
قعدت على أقرب كرسي وأنا حاسة إني هقع.
كل حاجة بدأت تتغير.
ميرنا. الطفل. الشنطة. الحادثة.
ولا حاجة بقت مفهومة.
وفجأة رن تلفوني.
رقم غريب.
رديت بيد مرتجفة ألو؟
لكن اللي سمعته خلّى الدم يتجمد في عروقي.
صوت ست تهمس بالعافية الطفل ده لو فضل عايش كلنا هنموت.
وقفل الخط.
فضلت باصة للتليفون كأني مسكت تعبان سام.
فريدة لاحظت لوني اللي اتغير وخطفت التليفون من إيدي. مين كان بيكلمك؟
بصتلها وأنا مش قادرة أبلع ريقي. واحدة ست
قالت إيه؟
همست قالت لو الطفل عاش كلنا هنموت.
في ثانية، وش فريدة اتغير تمامًا.
خدت التليفون بسرعة وخرجت تتكلم مع حد.
وأنا فضلت مكاني ببص على الحضانة من بعيد.
الطفل الصغير كان نايم بهدوء.
ولا كأنه مركز الشر كله.
بعد نص ساعة تقريبًا، المستشفى اتقلبت فجأة.
اتنين عساكر وقفوا قدام الحضانة.
ممرضات بيتحركوا بسرعة.
فريدة رجعت وقالت من اللحظة دي، محدش يعرف إن الطفل هنا.
بصتلها بذهول. طفل إيه اللي محدش يعرفه؟ ده رضيع!
قالت بحدة يا مدام فاطمة اسمعيني كويس إحنا غالبًا داخلين على قضية أكبر بكتير من اللي متخيلاه.
قضية إيه؟!
لكنها ما ردتش.
في اللحظة دي، باب المستشفى اتفتح بعنف.
وكل الناس بصوا ناحية الداخل.
ميرنا دخلت.
وشها كان شاحب بطريقة تخوف.
شعرها مبهدل.
وعينيها حمرا كأنها بقالها ساعات بتعيط.
أول ما شافتني جريت ناحيتي.
وقبل ما أتكلم حتى، مسكت إيدي بقوة وقالت بصوت مبحوح الطفل فين؟!
شدّيت إيدي منها بعنف. يبقى الطفل بتاعك فعلًا!
صرخت وهي بتبكي والله ما رميته! أقسم بالله ما رميت حد!
الممرضات والضباط اتحركوا حوالينا بسرعة.
لكن ميرنا فضلت تبصلي بانهيار غريب وهي بتقول أنا كنت بحاول أنقذه!
صرخت فيها تنقذيه بإنك ترميه في الترعة؟!
هزت راسها بعنف وهي بتعيط أكتر. دي ماكنتش أنا!
اتجمدت مكاني.
نفس الجملة اللي كانت الشرطة بتحاول تقنعني بيها ميرنا نفسها بتقولها دلوقتي.
قربت فريدة منها بسرعة. تقصدي إيه؟
ميرنا كانت بتتنفس بصعوبة، وكأنها على وشك الإغماء.
وقالت الجملة اللي قلبت كل حاجة فيه واحدة شبهى وهي اللي قتلت مراد.
الممر كله سكت.
حتى صوت الأجهزة
اللي طالعة من أوضة الحضانة حسّيته اختفى للحظة.
بصيت لميرنا بعدم استيعاب، وأنا حاسة إن عقلي خلاص مبقاش قادر يستحمل مفاجآت أكتر من كده.
همست إنتِ اتجننتي؟
لكن ميرنا كانت مرعوبة بجد.
مش خوف واحدة اتكشفت خوف واحدة بتهرب
تم نسخ الرابط