أنا جوزي مسافر الامارات حكايات رومانى مكرم
المحتويات
العقاري بموجب التوكيل، وحصلت على العقود المسجلة والموثقة، ولم تترك باسم محمود سوى الشقة التي تقع في بيت عائلته القديم، إمعانًا في ترك الماضي لهم.
عادت نادية إلى بيت العيلة، ووجهها لا يحمل أي تعبير. وضعت العقود الجديدة في مكان آمن خارج البيت عند والدتها.
في المساء، كان محمود يجلس مع والدته في المندرة، يتحدثان بصوت منخفض، يخططان ليوم وصول الزوجة الثانية وكيف سيتم تقسيم الأدوار في البيت الجديد. دخلت نادية الغرفة فجأة، ورمت تليفونه على الطاولة أمامه.
نظر إليها محمود بضيق وقال
وبعدين معاكي يا نادية؟ قفلنا السيرة دي، قولتلك مراتي وهتيجي تعيش هنا، والبيت كبير ويكفي من الحبايب ألف.
ردت نادية بصوت هادئ ومزلزل في آن واحد
البيت ده مش هيتبني فيه طوبة زيادة ليك يا محمود.. ولا ليك ولا لمراتك.
وقفت الحماة صارخة
جرى إيه يا بت إنتي؟ هتكبري على سيدك ولا إيه؟ البيت بيت ابننا وبفلوسه، والراجل حر في ماله!
ابتسمت نادية بسخرية وقالت لمحمود
قولي يا محمود، التوكيل العام اللي سيبتهولي علشان أخلص بيه ورق البيت.. فاكره؟ أنا النهاردة استخدمته. الأرض والبيت الجديد كله بقوا باسمي وباسم ياسين. يعني لو عايز تجيبها، شوف لك مكان تاني تأجر لها فيه، لأن بيتي مش هتدخله واحدة غيري.
صُعق محمود، وتغيرت ألوان وجهه من الصدمة. وقف مندفعًا نحوها وأمسك بذراعها بعنف قائلاً
إنتي اتجننتي؟! بقى بتغفليني وتسرقيني؟ ودمي وشقايا في الغربة؟
رفعت نادية يدها الأخرى الحرة، وأرتّه آثار التعب والشمس وقالت وعيناها تلمعان بقوة
ودهب أمي؟ وميراث أبويا؟ وصحتي اللي راحت تحت رجلين أمك وإخواتك في الفجرية؟ ده شقايا أنا.. إنت كنت بتبعت فلوس، وأنا كنت ببني بدمي.. لو فكرت تقرب للبيت ده، العقود
جن جنون محمود، وشعر بالإهانة أمام والدته التي بدأت تصرخ وتلطم خديها مستنجدة بإخوته. تراجع محمود إلى الخلف وهو يتنفس بسرعة، وعيناه تشتعلان بالغل، ثم صرخ في وجهها بالكلمة التي ظن أنها ستكسرها
إنتي طالق يا نادية!.. طالق بالثلاثة! ومش هتشوفي مليم واحد من برة، وهرميكي في الشارع!
لم تبكِ نادية. نظرت إليه بنظرة وداع باردة، وقالت وهي تلتفت نحو الباب لتأخذ ابنها ياسين
الطلاق ده كان لازم يحصل من ٨ سنين.. يوم ما سبتني هنا وكنت فاكرة إني متجوزة راجل هيصون غيبتي، مش راجل بايعني بالرخيص. الشارع ده بتاعك إنت وأهلك.. أنا عندي بيت ملكي، هعيش فيه أنا وابني كرامتنا فوق الكل.
خرجت نادية من بيت العيلة في تلك الليلة، تاركة خلفها ثماني سنوات من العبودية والصبر الأعمى، متوجهة نحو بيتها الجديد الذي صار حصنها، تاركة محمود وعائلته في ذهول الصدمة، يبحثون عن حل لمأزقهم الجديد بعد أن انقلب السحر على الساحر
لم تكن الليلة الأولى لنادية وابنها ياسين في البيت الجديد مجرد ليلة عادية؛ بل كانت أول ليلة تنام فيها دون أن تقلق من صوت طرقات حماتها العنيفة قبل الفجر. جلست نادية في الصالة الواسعة، تنظر إلى الجدران التي جفّ معجونها حديثًا، وشعرت لأول مرة بنسمة هواء باردة ونقية تدخل صدرها. لكنها كانت تعلم جيدًا أن المعركة لم تنتهِ، بل بدأت للتو.
في الصباح التالي، لم يتأخر الرد.
استيقظت نادية على جلبة شديدة أمام باب البيت. نظرت من الشرفة لتجد محمود ومعه إخوته الثلاثة، ويصحبهم بعض رجال البلدة وكبار العائلات، يحملون ملامح الغضب والتهديد.
نزلت نادية ووقفت خلف الباب الحديدي المغلق، وسألت بنبرة قوية
عايز إيه يا محمود؟ ورقتك هتوصلني، والمحاكم بيننا.
صاح
افتحي البيت ده يا نادية! البيت ده بفلوسي وشقايا، والبلد كلها عارفة كده. التوكيل اللي استغلتيه ده تزوير في عُرف الأصول، ومش هسيبك تاخدي شقى عمري وتقعدي فيه لوحدك!
تحدث أحد كبار البلدة بصوت هادئ يحمل خبثًا
يا بنتي، البيوت بتتخربش كده. الراجل غِلط واتجوز، لكن ما يصحش تاكلي حقه وتطرديه من بيته. افتحي والرجالة هتقعد وتحل الودّي.
ضحكت نادية بصوت مسموع وقالت
حل ودّي؟ لما كنت بخدم في بيت العيلة من النجمة، وبحلّب وأعجن وتهينوني، محدش من كبار البلد جه قالي حقك إيه! ولما بعت دهبي وورث أبويا علشان الأرض دي تتبني، محدش جه قالي بتعملي إيه! البيت ده فيه ورثي ودهبي وشقايا، ومسجل باسمي وباسم ابنه اللي رماه.. محمود ملوش هنا غير الهدوم اللي نزل بيها من المطار.
جن جنون إخوة محمود، وحاول أحدهم دفع الباب الحديدي بعنف وهو يصرخ
هنكسر الباب ونطلعك برة بالقوة يا بتاعة المدارس إنتي! البلد مفيهاش حريم تكسر كلام الرجالة!
لم ترتبك نادية، بل أخرجت هاتفها واتصلت مباشرة بالمحامي وبنقطة الشرطة التابعة للقرية، وقالت بصوت مسموع للجميع
الباب ده لو اتلمس، المحضر جاهز بتهمة التهجم على سكن امرأة مطلقة ومعاها طفل، والعقود المسجلة باسمي وباسم ابني في إيد المحامي في المركز.. وروني هتدخلوا إزاي!
تحذير نادية بالشرطة والقانون جعل كبار البلدة يتراجعون خطوة للوراء، فهم يعلمون أن الأوراق الرسمية في صفها، والفضائح في القرية لا تنتهي بخير. سحبوا محمود بعيدًا وهو يتوعد ويسب، حلفًا بأغلظ الأيمان أنه لن يتركها تتهنى بالبيت.
مرت الأيام، وتحولت الحرب من المواجهة المباشرة إلى حرب باردة. تمنع محمود عن إرسال أي مصاريف لابنه ياسين،
لكن نادية لم تكن المرأة الضعيفة التي غادرت بيت العيلة.
استغلت الدور الأرضي من البيت الجديد، وبمساعدة والدتها وبعض جاراتها اللواتي تعاطفن معها، قامت بفتح مشروع صغير لتجهيز الوجبات والمخبوزات الريفية وتوصيلها للمدينة القريبة. يداها اللتان اعتادتا الخبز والعجن تحت إمرة حماتها، أصبحتا الآن تعملان لحسابها الخاص.
في نهاية الشهر، كانت نادية تجلس وتحسب أرباحها، وتنظر إلى ياسين وهو يذاكر دروسه في غرفته السماوية بسلام.
وفي أحد المساءات، رن هاتف نادية برقم دولي.. رقم يعرفه قلبها جيدًا لكنه لم يعد يحرك فيه ساكنًا. كان الاتصال من الإمارات، ومن سيدة تدعى أم ليان.
ترددت نادية لثوانٍ، ثم فتحت الخط وقالت ببرود
أيوة؟
جاءها صوت امرأة يبدو عليه الانكسار والتعب، وقالت
إنتي نادية؟ أنا أسماء.. مرات محمود التانية.
سكتت نادية، فتابعت الأخرى بسرعة
أنا مكنتش أعرف يا نادية.. محمود فهمني إنه مطلقك من سنين، وإنك قاعدة في بيت أهله بتربي ابنه بس. ولما عرفت الحقيقة من كام يوم لما طلقك وفهمت اللي حصل في البيت الجديد، واجهته.. محمود مش زي ما إنتي فاكرة، محمود مديون هنا، والبيت اللي بناه في مصر كان عايز يبيعه علشان يسدد ديون تجارة خسر فيها، وكان ممنينا بالعيشة هناك بعد ما يخلص من ديونه!
حبست نادية أنفاسها وهي تستمع إلى الخيوط التي تتشابك لتكشف الوجه الحقيقي للرجل الذي ضحت من أجله.
تابعت أسماء قائلة بلهفة
محمود دلوقتي بيدور على طريقة يلغي بيها العقود أو يرفع عليكي قضية خيانة أمانة، وهو نازل مصر الأسبوع الجاي ومعاه محامي كبير.. أنا بكلمك لأني مش هقبل أكون سبب في خراب بيت ست تانية
متابعة القراءة