أنا جوزي مسافر الامارات حكايات رومانى مكرم
الشر.
وقبل أن ترد نادية، أغلقت أسماء الخط، تاركة نادية وسط دوامة جديدة. محمود راجع، ومعه أسلحة جديدة، ولم يعد لديه ما يخسره بعد أن تهاوت قلاعه في الغربة وفي البلد.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الجزء الرابع الشباك المفتوح
لم تنم نادية في تلك الليلة. ظلت كلمات أسماء، الزوجة الثانية، تتردد في أذنيها كطنين النحل. محمود لم يتزوج للاستقرار، بل كان يهرب من ديونه في الغربة، وكان يرى في هذا البيت طوق النجاة الذي سينتشله من الإفلاس، حتى لو كان الثمن هو بيع شقا عمرها وميراث أبيها.
أدركت نادية أنها أمام رجل جريح، والرجل الجريح عندما يفقد كل شيء يصبح شديد الخطورة.
مع شروق الشمس، كانت نادية تجلس في مكتب المحامي بالمدينة. قصّت عليه مكالمة أسماء والتحذير الذي تلقته.
نظر إليها المحامي بجدية شديدة وقال
نادية، إحنا موقفنا القانوني في عقود البيع والشراء سليم بنسبة كبيرة، لأن التوكيل رسمي وبيمنحك كل الصلاحيات. لكن محمود لو جاب محامي شاطر، هيلعب على ثغرة إساءة استخدام التوكيل أو الإثراء بلا سبب، وهيحاول يثبت إن الفلوس اللي اتبنى بيها البيت كلها جاية من حوالات بنكية باسمه من الإمارات.
شعرت نادية بغصة في حلقها، وسألت
يعني إيه؟ يعني ممكن ياخد البيت؟
رد المحامي
مش بالسهولة دي، لكن القضية ممكن تطول في المحاكم لسنين، ويصدر أمر بوقف التصرف في البيت أو فرض حراسة عليه، وده معناه إنك مش هتعرفي تعيشي فيه بأمان. لازم نثبت إنك شريكة في رأس المال، وباعتراف منه أو من أهله. هل معاكي أي ورقة تثبت إنك بعتي دهبك وورثك وحطيتيهم في البيت؟
هزت نادية رأسها بأسى
لأ.. كلو كان بالحب والثقة. كنت ببيع الغوايش وأروح أشتري الحديد والأسمنت وأدفع للصنايعية كاش من غير ما أمضي حد على ورق.
قال المحامي وهو يسند ظهره للخلف
يبقى لازم نخليه هو، أو حد من أهله، يعترف بدخول فلوسك ودهبك في بناء البيت.. وافتكري يا نادية، المحاكم مبتحميش المغفلين، لكنها بتمشي ورا الدليل. محمود نازل الأسبوع الجاي، ولازم نكون مستعدين.
عادت نادية إلى بلدتها، والهم يثقل كتفيها. كانت تسير في شوارع القرية وتلمح نظرات الشماتة في عيون زوجات إخوة محمود، وهمسات الجيران التي لا ترحم.
بعد يومين، تلقت نادية اتصالاً مفاجئًا من حماتها. لم يكن صوتها يحمل الصراخ المعتاد، بل كان فيه نبرة انكسار مصطنعة
يا نادية يا بنتي.. إحنا أهل في الآخر، والدم ميبقاش مية. محمود نازل بعد يومين، وعايزين نقعد قاعدة عرب ونصفي النفوس بدل المحاكم والفضايح. تعالي بكره بيت العيلة، ونجيب خيلانك وأعمامك ونشوف هترضوا بإيه.
علمت نادية غريزيًا
في المساء، اتصلت نادية ب أسماء في الإمارات مرة أخرى. سألتها نادية
أسماء.. محمود نازل امتى بالظبط؟ ومعاه أوراق إيه؟
ردت أسماء بصوت خائف
محمود نازل بعد بكره الصبح يا نادية. هو جمع كل كشوف الحسابات البنكية للحوالات اللي بعتهالك على مدار ٥ سنين، وجايب معاه كمان فواتير ومقايسات بأسماء الشركات اللي اشترى منها سيراميك ورخام شحنها لمصر، وعامل قضية مستعجلة هيقدمها أول ما ينزل عشان يطردك من البيت ك غاصبة. هو مش ناوي يقعد معاكي أصلاً، القعدة اللي أهله بيطلبوها دي عشان يشغلوكي لحد ما يوصل ومعاه أمر قضائي!
تنفسست نادية ببطء، وشكرت أسماء التي أثبتت أن معدنها أصيل رغم كل شيء. الآن تجمعت خيوط اللعبة في يد نادية.
في اليوم التالي، توجهت نادية إلى بيت العيلة في الموعد المحدد. كانت ترتدي عباءتها السوداء، وتضع وجهًا جامدًا لا تهزه العواصف. دخلت المندرة، فوجدت حماتها وإخوة محمود واثنين من كبار البلدة الذين يميلون دائمًا لجانب محمود.
بدأت الحماة الكلام بتمثيل بارع
شفتي يا نادية؟ البيت اتخرب وابني اطلق، والناس مبتسكتش. إحنا عايزين نصلح اللي انكسر. محمود باعت يقول إنه مستعد يسيبلك الدور الأول تعيشي فيه إنتي ويسين، بس ترجعي العقود باسمه عشان يعرف يتصرف في الباقي، مش برضه هو اللي دافع دم قلبه في الحوالات؟
نظرت نادية إلى الحاضرين، وأخرجت من حقيبتها جهاز تسجيل صغير أو هاتفها وهو يسجل دون أن يلاحظ أحد، وقالت بصوت واضح وهادئ
محمود دافع دم قلبه؟ وأنا دهب أمي وميراث أبويا الأرض اللي بعتها ب ٣٠٠ ألف جنيه وسلمت فلوسها لمحمود كاش هنا في الأوضة دي قدامك يا حماتي عشان نشتري حديد التسليح للدور التاني.. دول نسيتوهم؟ ولا نسيتي ال ٥٠ ألف اللي أخدتوهم مني لما محمود زنق في الغربة وطلبتوا مني أفك زنقته؟
تسرعت الحماة، وأرادت أن تثبت أنهم لم يأكلوا حقها بالكامل بل يقرون به، فقالت بغباء أمام كبار البلدة
ومحدش أنكر يا بت الأصول! حقك وال ٣٠٠ ألف بتوع أرض أبوكي ودهبك على جزمنا من فوق، وهيدخلو في حساب التسوية.. بس البيت الكبير ده متكلف ملايين، مش قيمته ال ٣٠٠ ألف بتوعك بس! إنتي كده واخدة البيت كله بغير وجه حق.
تدخل أحد كبار البلدة قائلاً
يعني الحاجة مقرة إن نادية دافعة من ورثها ودهبها في البيت ده؟
رد الأخ الأكبر لمحمود بثقة
أيوة يا حاج مقريّن، ونادية ليها حقها الفلوس اللي دفعتها تاخدها، لكن البيت يرجع لمحمود.
ابتسمت
القعدة دي خلصت بالنسبة لي.. وأنا مش هتنازل عن طوبة واحدة.
خرجت نادية وهي تشعر بنصر صغير؛ فقد حصلت على الاعتراف المسجل والموثق أمام شهود بأنها شريكة بالمال والورث في بناء هذا البيت، وهو الدليل الذي كان يحتاجه محاميها لنسف أي قضية إساءة استخدام توكيل أو إثراء بلا سبب ينوي محمود رفعها.
عاد الصباح المنتظر.. صباح وصول محمود إلى القرية.
لم يتوجه محمود إلى بيت عائلته، بل جاء مباشرة بسيارة أجرة ومعه محامٍ من المدينة ورجلان مجهولان، وتوجهوا نحو باب البيت الجديد. كان محمود يحمل في يده ملفًا يحتوي على كشوف الحسابات، وعيناه تملأهما رغبة عارمة في الانتقام واستعادة جدران النجاة.
وقف محمود أمام الباب الحديدي، وبدأ يطرق عليه بعنف جنوني، وهو يصرخ
افتحي يا نادية! أنا جيت.. جيت أخد حقي وأرميكي برة البيت ده زي ما دخلتيه! افتحي بالقانون أو بغير القانون!
تحركت الستائر في الدور العلوي، ولم تفتح نادية الباب، بل ظهرت في الشرفة، ونظرت إليه من الأعلى ببرود هز كيانه، وبجانبها كان يقف محاميها، ورجلان يرتديان الزي العسكري!
الجزء الخامس والأخير حكمة العدالة ونهاية المطاف
تسمّر محمود في مكانه، وانعقد لسانه وهو ينظر إلى الشرفة. لم يكن يتوقع أبدًا أن يجد رجال الشرطة داخل البيت في انتظاره. خلفه، كان الجيران يتابعون المشهد بوجوه مترقبة، وصمت طبق على المكان بعد صراخه العنيف.
نزل محامي نادية إلى الباب الحديدي، وفتحه جزئيًا ليقف وجهًا لوجه مع محمود ومحاميه، وبجانبه أمين الشرطة الذي كان يحمل دفتر المحاضر.
قال محامي محمود محاولاً تدارك الموقف
وإظهار القوة
يا فندم، إحنا معانا كشوف حسابات رسمية ومستندات تثبت إن البيت ده اتبنى من الحوالات البنكية لموكلي، وإحنا جايين نثبت حالة وجاهزين لرفع دعوى طرد مستعجلة ضد مطلقة موكلي لأنها غاصبة للمكان.
ابتسم محامي نادية بهدوء، وأخرج من حقيبته ملفًا وبدأ يفنده بثقة وثبات
أهلاً بحضرتك.. العقود المسجلة باسم مدام نادية وابنها ياسين سليمة ١٠٠٪ وبموجب توكيل رسمي عام ساري وقت البيع والتسجيل. أما بخصوص الديون والحوالات اللي بتتكلم عنها، فإحنا معانا إقرار رسمي ومسجل ومثبت بشهادة كبار البلد وحماتها شخصيًا، باعترافهم إن مدام نادية شريكة في رأس مال الأرض والمباني ب ٣٠٠ ألف جنيه كاش من ميراثها ودهبها، وده بينفي تمامًا تهمة الغصب أو إساءة استخدام التوكيل.. الموكلة تصرفت بصفتها شريكة ووكيلة لحماية حقها وحق ابنها القاصر.
التفت أمين الشرطة نحو محمود وقال بنبرة حاسمة
يا
شعر محمود وكأن جبلًا من الرصاص قد سقط فوق رأسه. نظر إلى محاميه بقلة حيلة، فهز المحامي رأسه إيجابًا بالانسحاب، هامسًا له الأوراق في صفها يا محمود، وأي حركة هنا هتسجنك.. لازم ننسحب ونلجأ للقضاء الطويل.
استدار محمود، يجر أذيال الخيبة والكسر، يحمل ملفاته التي لم تعد تساوي قيمة الحبر الذي كُتبت به أمام دهب نادية وشقائها وعقدها الموثق. التفت للمرة الأخيرة نحو الشرفة، فلم يجد نادية واقفة لتشمت به؛ بل كانت قد دخلت لتكمل إعداد المخبوزات لزبائنها، غير مبالية بوجوده أو رحيله.
بعد مرور عام كامل
تبدلت الأحوال، ودارت الأيام دورتها لتثبت أن من يزرع الظلم لا يجني إلا الخراب.
محمود اضطر لبيع شقته في بيت العيلة القديم لإخوته بأبخس الأثمان، ليُسدد جزءًا من ديونه المغتربة بعد أن رفعت أسماء زوجته الثانية قضية نفقة وضغطت عليه بالديون، فانتهى به المطاف وحيدًا، يعيش في شقة إيجار متواضعة بالمدينة، يعمل ليلاً نهاراً ليفك كربه، بعد أن خسر الغربة، والبيت الجديد، والزوجة التي صانته ثماني سنوات.
أما بيت العيلة القديم، فقد دبّت فيه الخلافات بين الأخوة وزوجاتهم بعد أن غادرت نادية؛ فاكتشفوا أن اللقمة التي كانت تأتيهم هنيئة على الجاهز قبل الفجر، كانت وراءها امرأة تُهلك صحتها ليأكلوا هم في راحة، وبغيابها تضاعفت الأعباء والمشاكل.
وفي الجهة الأخرى من البلدة، كان البيت الجديد يشع نورًا ودفئًا.
أصبح مشروع نادية لتجهيز الطعام الريفي أشهر مشروع في المركز بأكمله، واشترت سيارة نقل صغيرة لتوصيل الطلبات للمدينة، ووظفت معها امرأتين من الأرامل في القرية لتساعدهما على العيش.
في عصر أحد الأيام، وقفت نادية في الشرفة الواسعة، تمسك بكوب من الشاي، وتنظر إلى ابنها ياسين وهو يلعب في حديقة البيت الصغيرة بملامح الفرحة والأمان.
تذكرت نادية ذلك اليوم البعيد، قبل تسع سنوات، عندما رفعت وجهها للسماء وابتسمت لصوت الطائرة وهي تظن أن الغربة ستبني مستقبلاً.. وابتسمت اليوم مجددًا، لكنها ابتسامة مختلفة؛ ابتسامة امرأة لم تكسرها الخيانة، بل صهرتها التجارب فخرجت منها سبائك من ذهب خالص.
علمت نادية أن الحكمة الحقيقية في هذه الحياة ليست في العطاء الأعمى، بل في أن تعرف الست متى تفتح قلبها، ومتى تضع لكرامتها وحقها سياجًا من حديد وقانون لا يجرؤ أحد على تخطيه. ونظرت
وعزتي وجلالي لأنصرنكِ ولو بعد حين.