حماتي حلقتلي شعري ( حكايات رومانى مكرم)
المحتويات
زغاريد الجيران المحروق دمهم من حماتي كان مالي الشارع وهما شايفين العفش والعربية بيتسحبوا من البرنس فوزي.
حماتي قعدت على الأرض تعيط وتلطم على وشها
خربتي بيتنا.. الله يخرب بيتك يا شيخة.. ضيعتي هيبتنا وسط المنطقة!
قربت منها، ووطيت لحد ما بقيت في مستوى وشها، وهمست في ودنها
دي البداية بس يا أم فوزي.. أنا حلقت شعري بإيدي عشان أثبتلك إن اللي تقدس شعرها، تقدر تدوس على أي حد يمسه.. إنتِ لسه ماشفتيش حاجة من انتقام القرعة.
فتحت تليفوني ولقيت رسالة من رئيس مجلس إدارة الشركة الكبيرة اللي بشتغل فيها، باعتلي لوكيشن لفيلا في التجمع، وبيقولي
مدام سارة.. المؤتمر السنوي لنقل الإدارة بكرة بالليل، وبصفتك المديرة الإقليمية الجديدة، حضورك ضروري.. إحنا باعتين ليكي عربية خاصة وسواق هيبقوا تحت أمرك من الصبح.
بصيت لفوزي اللي كان قاعد على الأرض يلم في خيبته، وقلتله
أنا خارجة اشتري باروكة تليق بمقام مديرة مبيعات إقليمية.. عشان بكرة عندي حفلة تانية، بس المرة دي.. إنت وأمك مش معزومين.
أخدت شنطتي وفتحت الباب، وقبل ما أقفل، لفيت وشي ليهم وقلت
أه صحيح.. نسيت أقولكم.. صاحب الشقة كلمني، ولو الإيجار ماندفعش بعد بكرة الساعة 12 الضهر، هيرمي بقية الهدوم بتاعتكم في الشارع.. وروني بقى هتعيشوا إزاي من غير فلوس الست؟
قفلت الباب ورايا، ونزلت السلم وأنا حاسة بنسمة الهواء الباردة بتلمس فروة راسي المحلوقة.. ماكانش وجع.. كان إحساس بالحرية والنصر
واللي جاي.. هيدفعوا تمنه غالي أوي.
نزلت السلم وخطواتي ليها رنين في المكان، لأول مرة من سنين ما كنتش حاسة بالخوف ولا بالكسرة اللي كانوا دايماً بيحاولوا يزرعوها جوايا. ركبت التاكسي ورحت لأكبر مكان بيبيع مستلزمات الشعر الطبيعي، اخترت باروكة هادية، قصيرة، وملامحها حادة.. شبه شخصيتي الجديدة اللي اتولدت من طفاية الحريق اللي ولعوها في كرامتي.
رجعت الشقة بالليل، فتحت الباب بهدوء.
البيت كان ضلمة كحل، صمت مريب مش متعودة عليه، وصوت التلاجة القديمة اللي كان بيزن.. مابقاش موجود بعد ما اتسحبت.
فتحت كشاف الموبايل، لقيت فوزي قاعد في الصالة على البلاط، ساند ضهره على الحيطة ومسهم في الفراغ، وحماتي نايمة على الكنبة القديمة اللي فاضلة ومغطية وشها بملاية، وبتئن بصوت واطي من التعب وقلة الحيلة.
فوزي رفع عينه ليا لما شاف نور الموبايل، صوته كان طالع بالعافية
سارة.. إحنا من الصبح ماكلناش لقمة، والمطاعم اللي تحت مش راضية تطلع أكل شكك، وصاحب الشقة رن عليا وهزأني وقالي لو الفلوس مجهتوش بكرة هيجيب المحضر ويقفل الشقة بالشمع الأحمر.. سارة، إحنا عشرة سبع سنين، تهوني عليكي أمي تموت من قلة الدوا؟
وقفت قدامه، حطيت علبة الباروكة على التربيزة الصغيرة اللي باقية، وقلت بنبرة خالية من أي مشاعر
وعشرة سبع سنين دي ما شفع تليش عند أمك وهي شايلة الماكينة وبتقص هويتي وأنا نايمة؟ ما شفع تليش عندك وإنت بتقولي الشعر بيطول؟ أنا دلوقتي مش سارة بتاعة زمان يا فوزي.. أنا المديرة اللي بتعرف تحسب كل مليم بيروح فين وبيجيب عائد إيه.. وإنت وأمك بقيتوا مشروع خاسر، وأنا مابستثمرش في الخسارة.
سيبته ودخلت أوضتي، قفلت الباب بالمفتاح، ونمت نوم عميق لأول مرة من فترة طويلة.
تاني يوم الصبح، الساعة 800، صحيت على صوت خبط ورزع بره.
فتحت الباب، لقيت فوزي واقف مع راجل لابس بدلة، ومعاهم سمسار من المنطقة. فوزي أول ما شافني قال للراجل
أهو يا باشا، دي مراتي صاحبة العقد، وإحنا موافقين نبيع المدة اللي فاضلة في عقد الإيجار القديم ونمشي، بس تدفع لنا خلو مية ألف جنيه حالا عشان نلم حاجتنا.
السمسار بصلي وقال
ها يا مدام؟ الأستاذ فوزي بيقول إنك موافقة، والباشا ده هيدفع كاش حالا ويمضي العقد الجديد مع صاحب البيت.
حماتي خرجت من أوضتها وهي بتعرج وعينيها تلمع بالطمع
أيوة يا بنتي، خلونا ناخد القرشين دول نشتري بيهم حتة أرض في البلد ولا نقعد في شقة إيجار جديد على قدنا، ونخلص من الهم ده.
بصيت لفوزي، وبصيت لحماتي اللي نسيت وجعها وأول ما شمت ريحة الفلوس عينيها نورت
ابتسمت وطلعت عقد الشقة الأصلي من شنطتي، ووريت المداد للراجل الشاري
العقد ده باسمي أنا لوحدي، وفوزي ملوش حق يوقع ولا يبيع ولا يشتري.. والباشا لو عايز الشقة، أنا هتنازل عنها لصاحب البيت الأصلي وبدون مقابل، عشان أقطع الرجل اللي بتدخل هنا.. يعني مفيش مية ألف، ومفيش خلو.
فوزي صرخ وشه شهقة مكتومة
إنتِ اتجننتي؟! بتضيعي من إيدينا مية ألف جنيه عشان العند؟!
قلتله وأنا بفتح باب الشقة للراجل والسمسار وبعتذر لهم
المية ألف جنيه دول أنا بأكسبهم في شهرين من شغلي وتعبى، ومش هسمحلك تاخد مليم واحد تداري بيه خيبتك.. اطلعوا بره يا جماعة، الشقة دي هتسلم لصاحبها بكرة.
الراجل والسمسار مشيوا وهما بيبصوا لفوزي بنظرات شفقة وازدراء.
حماتي قعدت تصوت وتلطم على وشها من تاني
يا خرابك يا فوزي.. يا شيلتك الطين يا فوزي! البت دي جاية تقضي علينا! دي مش بني آدمة دي شيطان!
بصيت في الساعة، كانت 600 المغرب.. معاد الحفلة السنوية للشركة.
دخلت الأوضة، لبست فستان أسود سواريه شيك جداً، ولبست الباروكة الجديدة اللي غيرت ملامحي تماماً، بقيت شبه نجمات السينما في حدتهم وقوتهم. حطيت مكياج قوي يداري أي أثر للتعب، وخرجت الصالة.
فوزي وحماتي تنحوا لما شافوني.. المنظر كان صادم ليهم. الست اللي كانوا بيعاملوها كأنها خدامة، واقفة قدامهم كأنها ملكة.
في اللحظة دي، تليفوني رن، كان السواق بتاع الشركة تحت البيت
مدام سارة، العربية المرسيدس تابعة للإدارة تحت أمرك يا فندم.
قلتله
نازلة حالا.
بصيت لفوزي وقلتله ببرود
أنا رايحة الحفلة اللي هتعين فيها رسمياً المديرة الإقليمية، الشقة دي لازم تتفضى بكرة الساعة 12 الضهر.. لو رجعت ولقيتك هنا إنت وأمك، هطلب شرطة النجدة وهعملكم محضر عدم تعرض وطرد، لأن الشقة قانوناً هتبقى مش بتاعتي.
فوزي جرى ورايا ومسك إيدي وهو بيعيط
سارة.. بلاش تعملي فيا كده.. أنا ابن المنطقة وناسي هيقولوا عليا إيه لما اترمى في الشارع؟ أروح فين بأمي العيانة؟
شيلت إيده من عليا بمنتهى القسوة والهدوء، وقلتله
روح في المكان اللي يعجبك.. الشعر بيطول تاني يا فوزي، مش ده كلامك؟ برضه الشرف والمكانة بيتعملوا تاني.. وريني بقى هتعملهم إيزاي.
نزلت السلم، وركبت العربية الفخمة اللي كانت مستنياني تحت، والمنطقة كلها كانت واقفة في البلكونات بتتفرج على سارة وهي خارجة ومرفوعة الراس، بعد ما كانوا شايفين جهازها وعفشها بيتلم الصبح.
وصلت الحفلة، الأضواء كانت مبهجة، الفلاشات بتنور، ورئيس مجلس الإدارة رحب بيا قدام الكل وسلمني درع التكريم وباقات الورد.
وقفت على المسرح، مسكت المايك، وبصيت للجمهور الكبير اللي حاضر، وقلت بثقة
النجاح مش بس إنك تحقق أرقام.. النجاح الحقيقي هو إنك تقص كل الأطراف الميتة في حياتك اللي بتحاول تشدك لورا، وتعرف إن مفيش حد يقدر يكسرك إلا لو إنت سمحتله.
الكل سقف بحرارة، وأنا وسط التسقيف ده، حسيت بنغزة في قلبي.. مش نغزة حزن، لأ.. نغزة ترقب.
فتحت الموبايل وأنا على المسرح، لقيت رسالة مبعوتة لي من رقم غريب.. رسالة خلت ابتسامتي تختفي
متابعة القراءة