في ليله دخلتهم بقلم نرمين عادل همام
المحتويات
والفقد. قعدت على الرصيف وحاطة الشنطة في حضنها. توقفت عربية رمادي، وخرج منها شاب طويل، بقميص أبيض وبنطلون أسود، باين عليه التعب والإرهاق. إنه دكتور أمجد
الجراح اللي كان بيتابع حالة أمها في أيامها الأخيرة وزميل دراستها القديم في الجامعة.
ما سألهاش ليه قاعدة بالشنطة والأسود على الرصيف، ولا ليه بتعيط، فتح باب العربية بوقار وقال بصوت هادي اركبي يا يارا.
هزت رأسها وقالت وهي بتبكي
أنا معيش مكان أروحه ولا معاية إيجار أدفعه.
أخدها لشقة هادئة فاضية تابعة لعيلته، وجاب لها علاج للتقلصات ومسكنات من الصيدلية، وحط كارت دكتورة نفسية على الطاولة وقال لها بصدق يارا.. الإنسانة اللي جواكِ واللي كافحت عشان تعيش هي اللي مخلياكي واقفة على رجلك لحد دلوقتي وسحبتك من الضياع إمبارح.. ما تخذليش نفسك.
انهارت دفاعاتها وبكت لأول مرة بحرية وبصوت عالي، وأمجد سابها ووقف بعيد بفرسانه وأمان لحد ما هديت ونامت من كتر التعب.
بعد تلات أيام، عملت جنازة بسيطة جداً لأمها، ما كانش فيها غير الجيران القدامى وبعض زمايلها. ولما الناس بدأت تمشي، جه أدهم ببدلته السوداء ووشه أصفر وشاحب، ومعه حراسة وسكرتيره.
وقفت يارا عند باب قاعة المناسبات ومنعته يدخل ممنوع تدخل هنا.
جاي أودع طنط..
هي ما تشرفهاش تكون جوز بنتها ولا تدنس مكانها.
نزل راسه وقال بصوت خافت جداً
أنا سألت في المستشفى.. العملية كانت نسبة نجاحها 30 بس.. وفاتها مش بسببي كلياً.
ردت بثبات وقسوة
جاي تثبت إنك مش القاتل؟ انت اللي لازم تلوم نفسك على اللي عملته.. مش أنا.
قال بصوت واطي ومكسور عمر محد سمعه منه
أنا آسف يا يارا. ردت بكسرة وشموخ لو الأسف بيرجع الميتين، أو بيمسح اللي حصل في ليلة دخلتي.. كنت ركعت وشكرتك.. بس ده مستحيل.
أخدت بوكيه الورد من إيد الحارس ورمته على الرصيف برة
اتفضل خد حاجتك وامشي.. ما تدنسش الطريق اللي أمي مشيت فيه.
وقف أدهم تحت الشمس كتير جداً مش قادر يتحرك، وما تجرأش يدخل. وبعد الجنازة، جه المحامي بتاعه يعرض ورقة طلاق وشروط فيها شقة وعربيتين وملايين تعويض عشان تطلب الطلاق بهدوء وتوقع على بند سرية.
يارا مسكت الورقة ومزقتها نصين قدام المحامي ببرود تام
قوله يعيد كتابتها.. أنا مش عايزة منه قرش واحد. أنا عايزة حريتي وبس، والحق إني أقول الحقيقة لو حد حاول يشوه سمعتي.. أنا مش ببيع كرامتي وسكتي بفلوس.
في المساء، نشرت إحدى الصفحات الفنية والمشورة على الفيس بوك صورتي وأنا واقفة بصلابة عند باب الجنازة وبمنع أدهم يدخل، وكان المانشيت المكتوب تحت الصورة يقطّع في الكرامة
الزوجة الطماعة التي طلبت 20 مليون جنيه تعويض.. ولما ما أخدتهمش، منعت زوجها رجل الأعمال الشهير من إلقاء نظرة الوداع على حماته!
في أقل من ساعة، البوست بقى تريند، وحساباتي الشخصية اتغرقت بآلاف التعليقات والشتائم من ناس ما تعرفش الحقيقة
الجشع فعلاً ملوش حدود!
أول ما أمها ماتت، قعدت تتاجر وتساوم على سعر الموت!
يا خسارة.. يا بخت أدهم إنه خلص من الست دي!
قريت الكومنتات سطر سطر، وإيديا تلجت من القهر والظلم. وفي وسط الهوجة دي، وصلتني رسالة من رقم غريب، ما كانش فيها غير جملة واحدة تهديد
لو ما قبلتيش ال 20 مليون الباقيين ووقعتِ على بند السرية وسكتِ، مش هنسيب لكِ عيشة تعيشيها وهندمر سمعتك.
أخدت سكرين شوت للرسالة عشان أحتفظ بيها كدليل، وفي اللحظة دي.. الدموع جفت من عيني تماماً. ما بقيتش بعيط.
تاني يوم الصبح، كتبت بيان طويل ونشرته على صفحتي. ما كانش فيه شكوى ولا ترجي ولا بكاء؛ أرفقت فيه أربع مستندات محددة بعد ما خفيت البيانات الشخصية وسبت التواريخ بس
شهادة وفاة أمي.. إيصالات المصاريف والعملية.. تحويل ال 500 ألف جنيه اللي رجعته فوراً لأدهم.. وتصريح المستشفى وتاريخ ليلة الدخلة.
وفي نهاية البيان كتبت بخط واضح
أنا ما طلبتش 20 مليون ولا قرش واحد.. أنا كل اللي أطلبته هو حريتي وطلاقي بدون شروط تعسفية أو بنود سرية تكمم فمي. وأي صفحة أو جهة هتنشر أخبار كاذبة، هتواجه البلاغات والقضاء فوراً.
البيان قلب السوشيال ميديا راساً على عقب، والرأي العام بدأ يقلب ضد اللي ظلموني. الناس بدأت تتتبع مصدر الشائعة الأولى، واكتشفوا إن الصفحة تابعة لشركة إعلامية مموّلة من علامة المجوهرات الجديدة اللي لسه شاهيندا مقتبساها ومؤسساها.
في أقل من نص يوم، تلفوني رن باسم أدهم 17 مرة.. ما رديتش. وفي المكالمة ال 18 عملت لرقمه بلوك.
على العصر، وصل المحامي بتسوية الطلاق الجديدة؛ تنازل كامل من طرفه، وتقسيم الممتلكات حسب الشرع والقانون، بدون أي تعويضات ولا بنود سرية تمنعني أتكلم، وموقعة برغبة أدهم.
بصيت لخط إيده المعروف على الورقة.. زمان كنت بفرّح لو وقع لي على كارت معايدة، والنهارده خط إيده بيديني الحاجة الوحيدة اللي كنت محتاجاها حريتي.
وقعت في نفس اليوم، وبسبب عدم وجود أطفال أو نزاعات على الممتلكات، الإجراءات تمت أسرع مما اتوقعت.
يوم استلام قبالة الطلاق، المطر كان بينزل بغزارة قدام مكاتب التوثيق. كان أدهم واقف تحت السقف من غير شمسية، عينه على الدفتر والورق اللي في إيدي.
قرب مني وقال بصوت هادي
يارا.. انتِ مش محتاجة أي حاجة بجد؟
أنا استرديت الحاجة الوحيدة اللي كانت ناقصاني.
إيه هي؟
حياتي وكرامتي.
فتحت شمسيتي ونزلت السلم، فنده عليّ بصوت حزين وسط المطر
يارا! اللي بيني وبين شاهيندا ما كانش زي ما انتِ فاكرة.
التفت له، والراجل اللي كان دايماً متكبر وشايف نفسه، كان واقف قدامي وشكلاً مكسور.
كمل كلامه
أنا ما نمتش معاها غير ليلة واحدة.. وكنت سكران ومش في وعيي، وفكرت
سكت، فكملت أنا عنه بسخرية ومرارة
فكرت إنها أنا؟ أظن دي أقدم وأرخص حجة بيقولها أي راجل بيخون!
ابتسمت ابتسامة مكسورة وتابعت
طب والعقد الألمظ اللي ب 5 مليون؟ طلع له رجلين ولف حوالين رقبتها لوحده؟ واليخت اللي أجرته عشان تحتفل معاها؟ والرهان اللي اتراهنته في الليلة اللي أمي ماتت فيها؟ كل ده كان من أثر الشرب برضه؟
ما قدرش يرد، فقلت له بمنتهى القسوة والوضوح
أدهم.. أنت ما خنتنيش بس، أنت وخاينتك حولتم كرامتي للعبة ورخيص. اللي دمر جوازنا مش الليلة دي، اللي دمره هو استخفافك بيا واحتقارك لكرامتي.. بلاش تشوه آخر لقاء بينا بأكاذيب مالهاش قيمة.
سبته ومشيت تحت المطر من غير ما التفت ورايا ولا خطوة. الطلاق ما كانش النهاية.. كان مجرد اليوم اللي بدأت فيه أسترد اللي يخصني.
بعد ما رتبت حاجات أمي الله يرحمها، لقت صندوق خشب مقفول في قاع الدولاب القديم. جوة الصندوق كان فيه 13 دفتر رسم قديم، وقرص صلب هارد ديسك، وأوراق تسجيل حقوق الملكية الفكرية لمئات من تصاميم المجوهرات!
الصفحة الأولى من الدفتر الرئيسي كان مكتوب عليها بخط إيد أمي تأنّق.. وده كان اسم علامة المجوهرات التجارية اللي أمي أسستها من 20 سنة، واختفت من السوق بعد وفاة بابا، لما شريكها استغل ظروفها واشتراها ببلاش وطردها. أمي فضلت طول عمرها تشتغل مصممة حرة عشان تصرف عليا، وما جابتش سيرة عن الماضي.
الهارد كان عليه فيديو سجلته أمي قبل ما تدخل أوضة العمليات الأخيرة. كانت قاعدة قدام شباك المستشفى، وشها شاحب بس عينها مليانة حنان
يارا يا حبيبتي.. لو بتشوفي الفيديو ده، يبقى أمك خلاص راحت عند ربنا. أنا عارفة إنك تنازلتِ عن شغلك وحلمك في التصميم عشان خاطر أدهم.. أنا عمر الملامة ما دخلت قلبي ناحيتك، لأن كل إنسان من حقه يختار سعادته.. بس لو اكتشفتِ في يوم إن السعادة دي كانت وهم وما تستاهلش، افتكري إن إيديكِ وموهبتكِ لسه معاكي. علامة تأنّق مش أهم حاجة سبتهالك.. أهم حاجة سبتهالك هي قدرتك إنك تبتدي من جديد.
حضنت اللابتوب وبكيت طول الليل بحرقة. وتاني يوم الصبح اتصلت ب دكتور أمجد
أمجد.. تعرف مكان أستوديو أو ورشة صغيرة للبيع أو الإيجار بسعر معقول؟
سألني بنبرة دافية
انتِ قررتِ ترجعي للتصميم تاني يا يارا؟
أيوة.
رد بابتسامة سمعتها في صوته
فيه ورشة عند صاحب ليا عايز يبيعها أو يأجرها.. وفيها معدات قديمة.
ضحكت وسط دموعي وقام قايل بصدق
يا بخت اللي يعرف يساعدك في حاجة تحبيها.
الورشة كانت في حارة قديمة هادية، مساحتها صغيرة، وفيها عداد وتراخيص قديمة ومعدات تلميع وتشكيل خشب ومعادن. استخدمت الفلوس الباقية معايا وأجرتها لمدة 6 شهور.
في يوم التوقيع، أمجد كان واقف مستند على الباب، وبيراقبني وأنا بكنس وأظبط الورشة من الصبح للمساء.
قال لي بحنية
يارا.. انتِ لسه جسمك مجهد وطالعة من ظروف صعبة، بلاش تجهدي نفسك كده.
رديت وأنا ببتسم
أنا كويسة يا دكتور.. العمل حركة.
سحب المكنسة من إيدي وقال
اقعدي انتِ ارسمي، وأنا هكمل تنظيف.
كانت دي أول مرة أضحك فيها بجد من قلبي من يوم الأحداث. والابتسامة دي شافها أدهم، اللي كان واقف بعربيته الأسود في أول الحارة وبيراقب الورشة بعيد لمدة ساعتين!
السكرتير بتاعه حكى لي بعدين إن أدهم كان جاي يسلمني الملفات الطبية لأمي اللي طلب من حد يجهزها، بس لما شاف أمجد ينحني بالراحة يشيل غبار من على شعري وأنا بضحك، ما تجرأش ينزل من العربية وطلب من السواق يرجع فوراً.
وفي نفس اليوم، أعلنت شاهيندا رسمياً عن إطلاق مجموعتها الأولى من المجوهرات بعنوان القمر المكسور.
الصور انتشرت على النت، وكانت القلادة الرئيسية عبارة عن هلال متقطع لتلات أجزاء وفي وسطه فصوص ألمظ.
بصيت للصورة كتير، وبعدين فتحت دفتر رسم أمي رقم 7.. في صفحة من سنة 2008، كانت فيه رسمة طابق الأصل بعنوان القمر المتراجع، والفرق الوحيد إن رسمة أمي كانت خطوطها أرق وانسيابية أكتر، والتلات أجزاء لما يتجمعوا يعملوا أول حرف من اسمي! وضهر الصفحة عليه أختام حقوق الملكية الفكرية الموثقة!
شاهيندا زارت بيتنا كتير زمان، وكانت عارفة إن أمي محتفظة بالدفاتر. ولما أمي تعبت، أنا أديتها مفتاح البيت عشان تجيب لي هدوم وأوراق!
اتضح إنني أديتها بإيدي السكينة اللي طعنتني
متابعة القراءة