في ليله دخلتهم بقلم نرمين عادل همام

لمحة نيوز

كل دكتور وممرضة وسواق تاكسي عشان يفهم التفاصيل.
اعترف في الجواب إنه عمره ما كان مفلس؛ ولما طلبت النص مليون زيادة قبل الفرح عشان عملية أمي، كان بيعيد هيكلة شركته والسيولة كانت صعبة، بس فلوسه الشخصية كانت تقدر تغطي المبلغ ده مية مرة.. بس هو عمل المشهد ده عشان يختبرني! لغى البطاقة، وتظاهر بالديون، وكان بيشوفني بشتغل وأتعب ويظن إن ده تمثيل عشان أسترضيه قبل الجواز!
كتب في آخر الجوابأنا حولت الحب لامتحان انتِ ما كنتيش تعرفي إنك داخلة فيه.. ولعبت دور الممتحن والمصحح وغيّرت الإجابات عشان أدينك.. أنا مش بطلب منكِ التسامح، أنا بس عايزكِ تعرفي إن كل العذاب اللي شفتيه ما كانش بسبب إنك تقصرتِ أو ما كنتيش كفاية.. كان بسبب جبني وغروري وقسوتي.
قفلت الجواب.. لو الاعتراف ده جه ليلة دخلتنا، كان أنقذ حاجات كتير.. بس دلوقتي جه متأخر جداً. حطيت الجواب في ملف الطلاق وما رديتش.
أم أدهم اتقدمت لها عقوبة إدارية واعتذار علني على النت بسبب استخدام أوراق طبية مزورة تخصني عشان تتغطى بيها، والاعتذار كتبه المحامي في تلات سطور.. وما كنتش محتاجة منها أكتر من كده.
أدهم باع معظم أملاكه الشخصية عشان يعوّض المصممين اللي اتظلموا من شركته، وساب الفيلا وعاش في شقة صغيرة جنب الشركة.. في يوم، قابلته قدام عمارة الورشة، كان الثلج والبرد مغرق الشارع، ووشه باين عليه التعب والهدود.. قال لي بصوت مكسور أوراق البيت.. أرجوكِ قبليها، دي كانت ملك مامتك الله يرحمها. أنا هشتريها منك بالسعر اللي باعتها بيه أمي زمان.. مش هاخدها منك هدية. أنا مش عارف أعمل إيه تاني عشان أصلح أدهم.. عيش حياتك بشرف.. بس بلاش تستغل تعبك عشان تخليني أرجع أو أضعف.. ده الشيء الوحيد اللي تقدر تعمله. ولو سامحتكِ في يوم؟ ممكن أسامحك.. بس التسامح مش معناه إننا نرجع.. أنا هسامح عشان ما أشيلش قهرك معايا بقية حياتي.
دخلت العمارة، وسابني وما حاولش يمنعني.
في الربيع اللي بعده، شركة تأنّق فتحت أول فرع ليها برة مصر. بقيت بسافر كتير بين المدن، معتادة على الطيران والاجتماعات، بس ما بقيتش أظلم نفسي في الشغل.. بقيت أثق في المساعدين بالقدر المضبوط، وأستريح من غير ما أحس بذنب.
البنت المتدربة عندي شروق كسبت جائزة المصمم الشاب بسوار استوحت فكرته من حروق إيدها القادمة، ووقفت تعيط على المسرح وأنا قاعد بصفق لها وفرحانة بيها.
أمجد كان مسافر بقاله شهور في مهمة طبية إنسانية بالصعيد.. ما كناش مسمين علاقتنا بأسماء رسمية، بس في كل خطوة نجاح، كان هو أول حد بتمنى أشاركه الصور والأخبار. أبعت له صورة التأسيس للفرع الجديد، يرد عليا بعد يومين بصورة لغرفة المحطة الصحية اللي شغالة هناك.. طفل رسم بالطبشور على الحيطة هلال طالع منه شجرة شعار شركة تأنّق.
في الشهر التاسع، حصل انهيار جبل وسيول في المنطقة اللي شغال فيها أمجد، والأخبار نزلت عن انقطاع الاتصال بالفريق الطبي! فضلت 36 ساعة مش بنام، أعصابي كانت بتتفجر، وحجزت أول طيارة عشان أروح هناك.. وفجأة تلفوني رن من رقم غريب!
يارا؟ صوت أمجد عبر الخط! رجلي ما شالتنيش وقعدت على الأرض أمجد! أنت فين؟ أنت كويس؟ أنا في معسكر مؤقت.. شبكة التلفون كانت مقطوعة والطريق مقفول.. أنا أسف جداً.
كنت عايزة أزعق فيه، بس أول ما فتحت بوقي الدموع نزلت زي المطر.. فضلت أعيط وهو ساكت بيسمعني، وبعدين قال برقة يارا.. دي كانت أول مرة يناديني من غير أستاذة ولا ألقاب. أنا هنا يا أمجد. هترجعي إمتى؟ فاضل لي 3 شهور في الخدمة والإشراف. مسحت دموعي وقلت له بكل وضوح وصدق أمجد.. أنا بحبك وبفتقدك.. مش لأني محتاجة حد ينقذني، أنا أقدر أعيش وأشتغل وأحل مشاكلي لوحدي.. بس لما بفرح، بتمنى تكون معايا، ولما بخاف بتمنى أسمع صوتك.. أنت مش مجرد شخص بيساعدني، أنت الشخص اللي قلبي اختاره.
الخط سكت لحظات، وبعدين سمعت ضحكته الدافية أنا هخلص ال 3 شهور وأرجع فوراً.. وهسألك السؤال اللي مستنيه من زمان. أنا هستناك.
في اليوم اللي رجع فيه أمجد، رحت المطار أستقبله. كنت شايلة بوكيه ورد عباد شمس كبير، أول ما أبواب الوصول اتفتحت، طلع أمجد كان أرفع شوية وسمر من شمس الصعيد، وشايل شنطته على كتفه. أول ما شافني بالورد وقف مكانه.
قربت منه بابتسامة دكتور أمجد.. أستاذة يارا.. فاكر السؤال اللي ألت لي عليه من سنة؟ ابتسم وبص لي كتير، كأنه بيتأكد إن البنت اللي قدامه دي مش هي البنت المكسورة اللي كانت قاعدة على الرصيف بتعيط يارا.. تقبلي تبدأي معايا حياة جديدة ونبني بيتنا سوا؟
مش تكوني لي ولا أنا هحميكي.. بل نبدأ سوا. هزيت راسي وقلت موافقة. سحبني في حضن دافي وأمين وسط المطار.. حضن حسسني إن رحلة العذاب انتهت رسمياً، وبدأت رحلة الأمان.
جوازنا كان هادي.. عملنا حفل صغير في الحديقة اللي ورا ورشة تأنّق، حضره القريبين بس، من غير بهرجة ولا فلاشات. لبست فستان أبيض بسيط صممته لي صاحبتي، وتحت رقبتي كان فيه البروش الفضة القديم اللي عملته زمان بالجامعة.
قبل الفرح بساعة، وصلني طرد بدون اسم.. جوة الطرد كان فيه خاتم الجواز القديم اللي سبته على الطاولة ليلة دخلتي من أدهم، ومعاه ورقة صغيرة حاجتك رجعت لكِ.. أتمنى لكِ السلام.
بصيت للخاتم فترة، وبعدين أديته للمساعدة عندي سيحيه واعملي منه أجراس هواء صغيرة نعلقها قدام ورشة التدريب للبنات. الذهب ملوش ذنب.. الذكريات نقدر نعيد تشكيلها وتطلع منها صوت حلو وجديد!
بعد جوازي من أمجد، عشنا حياة هادية وقائمة على الاحترام والوضوح. عملنا حساب مشترك لمصاريف البيت، وكل واحد فينا محتفظ بذمته المالية وشغله.. ما فيش غموض ولا شك، وكل حاجة بنتكلم فيها بوضوح.
بعد 6 شهور من جوازنا.. ظهر الخطين الحمر في اختبار الحمل! قعدت في الحمام وإيدي بترتعش.. ذكريات التعب والدم في ليلة دخلتي القاسية والظروف الصعبة جُم في عقلي فوراً.. فتح أمجد الباب ولما شاف الاختبار في إيدي، قعد على الأرض جنبي بالراحة يارا.. انتِ كويسة؟ أول سؤال سأله ما كانش أنا هبقى أب، بل كان بيطمن عليا أنا! هزيت راسي وقلت له وخايفة أنا خايفة يا أمجد.. سحبني في حضنه بالراحة وقال أنا معاكي.. بكره نروح للدكتورة ونمشي خطوة بخطوة.. صحتك ونفسيتك هي أهم حاجة عندي.
الحمل كان فيه شوية تقلصات وتعب في الأول نتيجة الإجهاد القديم، بس أمجد كان معايا في كل استشارة، بيراعي كل التفاصيل ويسمع الدكاترة.
في أوائل الصيف.. ولدت بنتي الصغيره! بنت زي القمر، وزنها ما شاء الله جميل، وأول ما الدكتورة حطتها على صدري، عيطت من الفرحة وأمجد جنبي عينيه مدمعة.. سألني هنسميها إيه يا يارا؟ بصيت لوشها الوردي وقلت هنسميها.. نور.. نور القمر اللي بيطلع بعد كل ضلمة.
مرت 10 سنين على إعادة تأسيس تأنّق.. الشركة بقى ليها فروع في 12 مدينة، والبرنامج المجاني درّب أكتر من 300 ست وشاب، وفتحوا ورش خاصة بيهم.
في احتفالية الشركة بالعاشر، كنت قاعدة في الصف الأول، وبنتي نور نايمة في حضن أمجد. دعاني المذيع أطلع أقول كلمة.. طلعت ووقفت قدام الشاشة اللي عليها شعار الهلال
من 10 سنين، تأنّق بدأت من ورشة صغيرة النور مقطوع فيها.. ما كانش حيلتنا غير كشاف صغير، وأدوات قديمة، ودفاتر رسم كان غيرنا شايفها ما تسواش حاجة.. ناس كتير بتسألني عن سر النجاح.. والسر مش عبقرية فردية؛ السر كان في الناس اللي وقفت جنبي، اللي حافظت على الحقوق لما العدالة اتأخرت، والدكتور اللي علمني آخد نفس واسترخي لما افتكرت إني مش هقدر أكمل.. والناس اللي آمنت إن الحاجات اللي اتكسرت تقدر تتجمع وتلمع من جديد.. والأهم من ده كله.. إن البداية الجديدة مش معناها إننا نرجع للنقطة القديمة.. البداية الجديدة هي إننا نختار طريق مختلف وبشرف.
التصفيق ملأ القاعة، وبصيت لأمجد وبنتي.. وأدركت إن السعادة مش عقد ب 5 مليون، ولا مظاهر كدابة.. السعادة هي إنك تتعدل وتقف على رجليك، تحب وتتحب من غير ما تضحي بكرامتك ولا تنسى نفسك.
كنت في يوم من الأيام قمر اتكسر مية حتة في ليلة شؤم.. بس الهلال عمره ما بيغيب.. وبيطلع ينوّر الدنيا من جديد.
الكاتبة نرمن عادل همام
تمت

تم نسخ الرابط