في ليله دخلتهم بقلم نرمين عادل همام
المحتويات
بيها!
اتصلت بمحامي متخصص في الملكية الفكرية وقدمت له الأوراق والدلائل. المحامي قال إن قضيتنا مضمونة، بس الشركات اللي ورا شاهيندا كبيرة وممكن يطول الموضوع
أستاذة يارا.. انتِ متأكدة إنك عايزة تخوضي الحرب دي قدامهم؟
رديت بثبات
جداً.. حق أمي مش هسيبه.
بعد تلات أيام، أعلنت المحكمة رفع الدعوى القضائية وتجميد النشر. شاهيندا اتصلت بيا فجأة وهي بتصرخ
يارا انتِ اتجننتِ؟ فاكرة إن أوراق عند أمك هتوصلك لحاجة؟ انتِ بتفتحي حرب ضد أدهم وشركته!
رديت ببرود
المحكمة هي اللي تحكم.. ومن اليوم اللي وقعت فيه ورقة الطلاق، أدهم وشركته ما بقوش يعنولي أي حاجة.
في نفس اليوم، النور انقطع عن الورشة بفعل فاعل، وصاحب الورشة جاله اتصال مجهول بيهدده عشان يفسخ العقد معايا، والموردين اللي اتفقت معاهم اعتذروا فجأة!
ما كانش محتاج تخمين مين ورا الحركة دي.
جمعت أوراقي في الضلمة، وجاب أمجد كشاف تخييم وقعد جنبي يرتّب معايا الأحجار والأوراق.
سألني
لو قلت لك اقفلي واخرجي من الحارة دي.. هتوافقي؟
لا طبعاً.
يبقى مش هقترح عليكِ الاستسلام.. اتفضلي كارت دكتورة مديحة مدير صندوق دعم الموهوبين والمستقلين.. أنا مهدت لها الطريق، وعليكِ انتِ تقنعيها بتصاميمك.
سألته باستغراب
أمجد.. انت ليه بتساعدني كل المساعدة دي؟
ابتسم وقال لي وهو بيبص لي بحنية
من 7 سنين، في معرض خيري بالجامعة، كل الطلبة جابوا حاجات مستعملة.. انتِ الوحيدة اللي سهرتِ تلات ليالي تعملي بروش فضة يدوي مميز جداً.. واشترته طفلة صغيرة مريضة بالقلب بكل الفلوس اللي في حصالتها، وقالت لي وقتها إنها حسّت لأول مرة إنها أميرة.
افتكرت الموقف، وسألته
الطفلة دي.. طمئني عليها؟
الطفلة دي تبقي أختي الصغيرة يا يارا.. والعملية نجحت وهي دلوقتي في آخر سنة جامعة.. انتِ أديتِ لناس أمل يعيشوا زمان، ودلوقتي جه دوري أقف جنبك.
في الليلة دي، وتحت نور الكشاف، رسمت أول تصميم ليا بعد سنين انقطاع.. وسميته القيامة.
قابلت الدكتورة مديحة، وبعد مناقشة طويلة وشااقة اقتنعت بدعم مشروعي وشركتي تأنّق، بشرط إني أدخل مسابقة اختيار العلامات التجارية الجديدة، وأقدم خلال 6 أسابيع تشكيلة كاملة من 12 قطعة.
طوال ال 6 أسابيع، كنت عايشة في الورشة. بالنهار مع الصنايعية القدامى لأمي، وبالليل على ترابيزة الرسم. ساعات كان وجع جسمي يشتد، وساعات إيدي تتجرح من الأسلاك والأدوات، بس كنت بلفها وأكمل.
أمجد ما كانش بيلح عليا ولا بيفضل يضغط، كان بيكلمني يفكرني بالأكل والدواء، ويعدي يسيب لي علبة شوربة دافية أو عصير ويمشي.. اهتمامه كان هادي وراقي ومختلف تماماً عن استعراضات أدهم الفخمة الفارغة.
قبل المسابقة بأسبوع، التصميم الرئيسي للقلادة اختفى فجأة أثناء النقل! شركة الشحن ادعت إن العنوان كان غلط، والكاميرات اتعطلت!
سهرت ليلتين أعدل واصمم من جديد لحد ما إيديا كانت بترتعش ومش قادرة تمسك الزردية.
قعدت على الأرض وسط المعادن المتكسرة وقلت لأمجد بكسرة لأول مرة
أنا مش قادرة.. مش هعرف أكمل.
قعد قدامي مسك إيدي المترعشة وقال بصدق
يارا.. خدي نفس واسترخي 10 دقايق.. تأنّق ده اسم وحلم، بس حياتك ونفسك أهم.. انتِ مش مطالبة تثبتي للعالم كفاءتك على حساب صحتك وروحك.
الكلام ده نزل على قلبي زي البلسم. طول عمري فاكرة إن لازم أضحي وأكون مثالية عشان أتحب.. وفي الآخر اللي عايزين يؤذوني أذوني.
بعد ال 10 دقايق، قمت بصلابة، شلت تصميم القلادة المفقودة، ورسمت تصميم جديد خالص هلال طالع منه غصن ورد صغير من الذهب الأبيض.. وسميتها غير مكتمل.. بس مش مكسور.
في يوم المسابقة، تشكيلة تأنّق أخدت المركز الأول بإجماع اللجنة!
ولما أعلنوا اسمي، بصيت للمدرجات.. أمجد كان واقف ورا خالص بيبتسم لي بفخر.. وفي الزاوية الثانية كان أدهم واقف ماسك بوكيه ورد أبيض ما لحقش يسلمه لي.
بعد الفوز، الطلبات انهالت على تأنّق. فنانة مشهورة اشترت القلادة ونشرتها على انستجرام، والطلبات غطت إنتاج الورشة.
وفي نفس الوقت، لجنة الخبراء في المحكمة أصدرت تقريرها المبدئي الأوراق والحبر اللي قدمتهم شاهيندا اتثبت إنهم حديثين الصنع ومزورة!
شاهيندا أطلقت مؤتمر صحفي بتعيط فيه وتقول إنني بستغل اسم أمي المتوفية عشان أدمرها، وأدهم نزل بيان من شركته يؤكد إنه مستمر في رعاية علامتها.
في المساء، جه أدهم الورشة، حط بوكيه الورد على الطاولة وقال بصوت خافت
مبروك يا يارا.. أنا طلبت من الإدارة يوقفوا التعامل مع شاهيندا بس هم رفضوا عشان العقود.
رديت وأنا بفرز الشغل
شكراً يا أدهم، بس إحنا مش قريبين لدرجة تبادل الورد والشروحات.. انت دعمتها من الأول، وجاي دلوقتي تقول ماليش دعوة؟
اتقدم ناحيتي وقال بعيون حمراء
يارا.. اديني فرصة أعوضك!
تعوضني عن إيه؟ عن أمي اللي ماتت؟ ولا عن ليلة الدخلة اللي دمرتها؟ ولا عن شرفي اللي نهبته؟ انت عايز تريح ضميرك مش أكتر.. وسامحني، أنا مش مسكن لآلام ضميرك.
سألني بنبرة غيرة واضحة
انتِ مع أمجد؟
مالكش دعوة.. دي حاجة تخصني.
أنا عايز أعرف بس
رفعت إيدي ونزلت على وشه ب قلم شديد! أول مرة أضربه!
أنت تتساءل عن طمعي، ماشي.. لكن إياك تلمس سمعتي أو تجيب سيرة اللي فات! اليوم اللي كنت فيه بتقهرني، كنت محتفل على يخت مع شاهيندا.. أنت مالكش حق تنطق كلمة واحدة!
أدهم وقف مصدوم، وأنا قفلت الباب في وشه بقوة. وبصيت من الزجاج شفته بينحني يلم الورد المتنطور، بس قلبي ما بقاش يحس ناحيته بأي شيء.. غير الفراغ.
التحقيقات اتسعت، وظهرت المساعدة القديمة لأمي وجابت أدلة إلكترونية وتسجيلات بتثبت إن عم أدهم وشريك أمي القديم اتفقوا زمان واستولوا على علامة تأنّق وباعوها لشركة أدهم!
يعني عيلة أدهم كبرت واغتنت من أفكار وتصاميم أمي المسروقة!
أدهم لما عرف الحقيقة، سلم الأدلة للنيابة بنفسه ضد عمه، وعمه اتأقبض عليه بتهم تزوير واختلاس، والشركة واجهت أزمة مالية ضخمة. وأدهم اضطر يبيع اليخت ويعتذر علناً عن البيانات المضللة.
وفي المحكمة، القاضي حكم لصالحي بملكية علامة تأنّق بالكامل، وسحب كل منتجات شاهيندا وإلزامها بالتويض والتراجع.
شاهيندا وهي طالعة من القاعة حاولت تتكلم معايا وتستعطفني عشان خايفة من الحبس، بس رديت عليها بكرامة
انتِ اللي اخترتِ الطريق ده يا شاهيندا.. وأنا مش هظلمك ولا هسامحك.. القانون هو اللي بياخد المجاري.
علامة تأنّق كبرت وبقت مقر من تلات أدوار، وشاركت في أسبوع المجوهرات الإقليمي، والجميع بقى يتكلم عن تصاميم أمي وعن قصة كفاحي.
في يوم شتوي هادي، أمجد كان مسافر في مهمة طبية إنسانية لمدة سنة في الصعيد، وأنا كنت واقفة أودعه في الورشة قبل ما يتحرك.
مسك حصالة أخته القديمة وقال لي بابتسامته الدافية
يارا.. أنا معجب بيكِ من 7 سنين.. بس ما أردتش استغل ظروفك ولا حزنك.. أنا مسافر سنة، والسنة دي عشان تأكدي مشاعرك.. لو افتكرتيني وحسيتِ إن وجودي يفرق معاكي، أول ما أرجع هطلب إيدك من جديد.. ولو نديتيني، هكون عندك.
ابتسمت له والدموع في عيني، بس كانت دموع أمل وفرج.
وقلت له
ترجع بالسلامة يا أمجد.. وأنا هستناك.
خرج أمجد، ووقفت قدام الشباك وأنا ماسكة دفتر أمي الأخير، والمطر بينزل برة بحنية.
لأول مرة من سنين، حسيت إن روحي رجعت لي، وإن الحياة مش بتنتهي عند الكسرة.. بل بتدى من اللحظة اللي بنقرر فيها نقوم ونرجع نلمع من جديد!
محدش قال إنه بيفتقده.. بس في كل مرة كان اسم أمجد ببيظهر على شاشة تلفوني، كان قلبي بيهدأ ويرتاح.
بعد تلات شهور من سفره، شاهيندا خلفت بنتها قبل ميعادها. البنت ولدت مبتسرة ودخلت الحضّانة في المستشفى، وأبوها الحقيقي اللي كان شغال مع عم أدهم وهرب اتمسك على الحدود واُتقبض عليه. وشاهيندا كانت بتواجه قضايا تزوير واستيلاء على حقوق ملكية فكرية، بس المحاكمة اتمأجّلت لحد ما تقوم بالسلامة.
المنظمة الراعية للأطفال اتصلت بيا، لأن شاهيندا حطت اسمي كجهة اتصال للطوارئ في أوراقها. رحت المستشفى مرة واحدة بس.. مش عشان خاطر أيت صداقة قديمة خلاص انتهت، بس لأن المحامي كان محتاج إقرارات قانونية تخص حماية البنت الصغيرة
شاهيندا كانت نايمة على السرير، وشها شاحب جداً وعظام خدودها باينة من كتر التعب والهزال. ومن ورا الزجاج البارد، كان نور الحضّانة الأزرق طالع على البنت الصغيرة. قالت لي شاهيندا بصوت مكسور بنت.. سميتها نور.
ما رديتش عليها.. فقالت بصوت يترجف أنا اتفقت مع الجمعية، وهناك عيلة من المدرسين هيتبنوها ويتكفلوا بيها.. مش هيعرفوا حاجة عني ولا عن اللي عملته، هتاخد اسم جديد وعيشة نضيفة. مادام اتخذتِ القرار، كملي الإجراءات الرسمية مع المحامي والجهات المختصة. مش عايزة تشوفيها يا يارا؟ لا. استدارت شاهيندا ودموعها نازلة انتِ قاسية أوي يا يارا.. دي مش قسوة يا شاهيندا.. أنا ساعدتك توصلي للجمعية الصح عشان البنت البريئة دي ما تشيلش ذنب حد، بس ده مش معناه إني هرجع صاحبتك ولا هتحمل مشاعرك ولا مسؤليتك.
انفجرت شاهيندا في البكاء أنا بقيت لوحدي تماماً في الدنيا.. رديت عليها وذهني بيرجع لليلة زفافي وأنا كمان كنت لوحدي تماماً.. في الليلة اللي أمي سابتني فيها، وفي الليلة اللي جوزي كان فيها على اليخت بيمرح معاكي.. أنتِ اللي اخترتِ تسيبيني في الموقف ده.. والآن كل واحد بياخد جزاء اختياراته.
سبت معلومات المحامي على الطاولة ومشيت، وما رجعتش المستشفى تاني.
بعد فترة، عرفت إن البنت أخدتها العيلة الجديدة، وسافروا بيها الصعيد، وأدوها اسم جديد وحياة بعيدة عن ديون وذنوب أهلها.. وده كان أفضل قدر للبنت البريئة دي.
في اليوم اللي اتقضى فيه على عم أدهم بالحبس 12 سنة في قضايا الفساد والتزوير، أدهم بعت لي ظرف مقفول مع المحامي. جوة الظرف كان فيه جواب اعتذار مكتوب بخط إيده، وعقد بيت أمي القديم اللي جابه وسجله باسمي ورجعه لي من غير أي شروط!
رجّعت له عقد البيت.. وقريت جواب الاعتذار مرة واحدة بس. كتب لي إنه بعد ما خرجت ليلة الدخلة، رجع المستشفى وفضل قاعد قدام الأوضة اللي كنتِ فيها طوال الليل.. بص في الكاميرات وشافني وأنا شايلة أوراق أمي وواقعة على الأرض لوحدي.. سأل
متابعة القراءة