الوصيه بقلم روماني مكرم

لمحة نيوز

امبارح أخويا عزمني أنا وولادي على فطار رمضان، وجه خدني بنفسه من البيت.
وقف تحت العمارة بالعربية ونادى عليا
يلا يا أختي اتأخرنا، العيال مستنيينك.
نزلت بسرعة وأنا ماسكة إيد ولادي، وقلبي دافي من جواه.
الحمد لله رغم إني أرملة بقالى سنين، لكن عمري ما حسيت إني لوحدي.
بعد ربنا أخويا حسن كان دايمًا السند.
من يوم وفاة جوزي وهو واقف جنبي، ما سبنيش لحظة.
فاكرة يوم العزاء لما مسك إيدي وقال
إنتي مش لوحدك يا أختي أنا مكان جوزك وأكتر.
والكلمة دي فضل صداها جوايا لحد النهاردة.
حتى مراته منى عمرها ما حسستني إني تقيلة عليهم.
بالعكس، دايمًا تستقبلني بابتسامة وتقول
أهلًا بوش الخير البيت بينور لما تيجي.
ركبنا العربية، والطريق كان هادي، والناس كلها راجعة بيوتها قبل الأذان.
بصيت لأخويا وقلت له بهزار
واضح إن في عزومة كبيرة النهاردة.
ضحك وقال
إنتي تستاهلي أكتر من كده.
وصلنا البيت
أول ما دخلت حسيت بجو رمضان الحقيقي.
ريحة الأكل طالعة من المطبخ
محشي، صينية بطاطس بالفراخ، شوربة سخنة، وسلطة متحضرة على السفرة.
منى كانت واقفة في المطبخ بتجهز آخر حاجة،
أول ما شافتني جريت عليا حضنتني وقالت
حمد لله على السلامة البيت نور.
ولادي دخلوا يلعبوا مع ولادهم، والصوت والضحك ملوا البيت.
قعدت أساعدها في المطبخ، لكن وأنا واقفة جنبها لاحظت حاجة غريبة
كانت سرحانة.
كل شوية تبص لي، وبعدين تبص بعيد كأن في حاجة شاغلة بالها.
قلت لها
مالك يا منى؟ شكلك تعبانة.
ردت بسرعة
لا خالص بس شوية إرهاق.
لكن قلبي قال إن في حاجة مستخبية.
قبل الأذان بدقايق، أخويا دخل المطبخ.
وقف شوية يبص لنا، وبعدين قال
ممكن تقعدي معايا دقيقة يا أختي؟
استغربت
قلت له
خير؟
قال بهدوء
في موضوع مهم عايز أتكلم فيه معاكي بعد الفطار.
الكلام خلاني أتوتر شوية،
لكن حاولت ما أفكرش كتير.
أذن المغرب، وقعدنا على السفرة كلنا.
البيت

كان مليان دعاء وضحك وكلام حلو.
لكن الغريب إن أخويا طول الفطار كان ساكت
مش زيه خالص.
كل شوية يبص لي
وبعدين يبص في ساعته.
بعد ما خلصنا أكل، ولسه بنقوم من على السفرة
فجأة جرس الباب رن.
منى بصت لأخويا بسرعة
وكأنها كانت مستنية اللحظة دي.
أخويا قام وفتح الباب.
سمعت صوت راجل بيقول
مساء الخير أنا جاي لمعاد مع أستاذ حسن.
دخل الراجل الصالة
وأول ما رفعت عيني وبصيت له،
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
قلبي دق بعنف
لأن وشه كان مألوف جدًا بالنسبة لي.
مألوف بطريقة مرعبة.
وأخويا بص لي وقال بهدوء غريب
اتفضلي ده الشخص اللي كنت عايزك تقابليه.
وقتها بس فهمت إن موضوع الليلة
مش عزومة رمضان عادية.
لكن عمري ما كنت أتخيل
إن المقابلة دي
هتفتح باب سر قديم كنت فاكرة إنه اتقفل للأبد.
اتسمرت في مكاني، ويدي اللي كانت ماسكة كوباية التمر هندي اترعشت. الراجل اللي واقف قدامي ده مش مجرد وش مألوف، ده ملامح محفورة في ذاكرتي من سنين طويلة.. ملامح كنت بحاول أهرب منها بكل قوتي.
بصيت لحسن أخويا بذهول، وحسيت إن ريقي نشف. قلت بصوت يدوب طالع
مين ده يا حسن؟ وليه جايبه هنا النهاردة بالذات؟
حسن قرب مني وحط إيده على كتفي يحاول يهديني، ونظرات منى مراته كانت كلها شفقة وحيرة، كأنها عارفة الحقيقة بس مش قادرة تنطق. حسن رد بصوت واطي ورزين
اهدي يا أختي.. ده الأستاذ عادل.. المحامي اللي كان ماسك قضايا المرحوم جوزك زمان.
الاسم وقع على ودني زي الصاعقة. عادل؟ المحامي اللي اختفى فجأة بعد وفاة جوزي بشهر واحد؟ اللي قالوا وقتها إنه سافر برا وساب كل حاجة وراه؟
الأستاذ عادل نزل عينه في الأرض وقال بأسف
أنا عارف إن ظهوري مفاجئ، وصعب في وقت زي ده.. بس الضمير مابينامش يا مدام، وأنا تعبت من شيل الأمانة دي سنين.
دخلنا الصالون، والأجواء كانت مشحونة بتوتر يقطع الأنفاس. ولادي كان صوت ضحكهم جاي من الأوضة التانية
وهما بيلعبوا، ومكنتش عايزة اللحظة دي تتفسد عليهم، بس الفضول والخوف كانوا بياكلوا في قلبي.
عادل فتح شنطته الجلد القديمة، وطلع منها ظرف لونه أصفر، باين عليه أثر الزمن. بص لي وقال
قبل ما جوزك يتوفى بأسبوع، جالي المكتب وكان قلقان جدًا. طلب مني أكتب وصية تانية غير اللي الكل عارفها، وطلب مني أمانة ما تظهرش إلا في الوقت اللي أحس فيه إن ولاده كبروا ومحتاجين السند.
قلت بلهفة
وصية إيه؟ جوزي ما سابش غير الشقة اللي إحنا فيها ومعاشه البسيط.. إنت بتقول إيه؟
هنا حسن اتدخل وقال
اسمعي للاخر يا أختي.. الموضوع أكبر من مجرد وصية.
المحامي طلع ورقة رسمية مختومة، وبدأ يقرأ
أنا، المرحوم زوجك، كنت شريك بنسبة في أرض ومصنع نسيج مع حد من قرايبه من بعيد.. والشراكة دي كانت مستخبية بعقود رسمية وتنازلات، لأنه كان خايف من المشاكل العائلية وقتها.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا. مصنع؟ أرض؟ إزاي وأنا كنت بحسب القرش على القرش عشان أعلم ولادي؟
عادل كمل كلامه وهو بيبص لي بتركيز
الأمانة مش بس في الورق ده.. الأمانة إن الشريك ده كان بيبعت نصيبك ونصيب ولادك كل شهر لحساب بنكي مقفول باسمك، والحساب ده كان تحت إشرافي أنا وحسن.. بس كان في شرط.
بصيت لحسن بعتاب ودموعي نزلت
كنت عارف يا حسن؟ كنت عارف ومخبي عليا كل السنين دي؟ وأنا اللي كنت بقول إنك إنت اللي بتصرف علينا من جيبك؟
حسن قرب مني ودموعه في عينه
والله يا أختي ما كان قصدي أخبي عشان حاجة وحشة.. جوزك وصاني قبل ما يموت قالي يا حسن، أختك طيبة وممكن أي حد يضحك عليها أو يطمع فيها.. سيب الفلوس تكبر وتأمن مستقبل العيال لما يشدوا حيلهم، وخليك إنت السند عشان تحس إنها لسه محتاجة لك وتفضلوا إيد واحدة.
الظلام بدأ يتبدد، بس في سؤال واحد كان لسه بينغز في قلبي.. لو الموضوع فلوس وأمانة، ليه المحامي كان خايف؟ وليه منى مراته كانت سرحانة ومرعوبة طول
الفطار؟
المحامي عادل بص لمنى، وبعدين بص لحسن وقال
بس في جزء تاني في الموضوع يا حسن.. الجزء اللي إنت لسه ما تعرفوش، واللي خلاني أرجع من السفر مخصوص لما عرفت إن الشريك القديم بدأ يدور على الورق ده بطرق مش مشروعة.
فجأة، جرس الباب رن تاني.. بس المرة دي كانت الخبطة قوية وعنيفة، وكأن اللي برا مش جاي يزور، ده جاي يهد البيت.
منى وقفت مفزوعة وقالت
ستر يا رب.. هما وصلوا لهنا؟
صوت الخبط على الباب كان بيهز الحيطان، ونظرات الرعب اللي شفتها في عيون منى خلتني أتأكد إن الموضوع مش مجرد ورث قديم ولا وصية متأخرة.. الموضوع فيه خطر حقيقي.
حسن قام بسرعة، ملامحه اتغيرت 180 درجة، مابقاش الأخ الحنين اللي كان بيطبطب عليا من شوية، بقى راجل مستعد يحمي بيته وأهله بأي ثمن. بص للمحامي عادل وقال بصوت واطي وصارم
دخل المدام والأولاد جوه يا أستاذ عادل.. بسرعة!
منى خدت ولادي وولادها ودخلتهم الأوضة اللي جوه، وأنا كنت واقفة في مكاني، رجلي مش شيلاني. بصيت لحسن وقلت بلهفة
في إيه يا حسن؟ مين اللي بيخبط كده؟ والشريك اللي المحامي قال عليه ده يبقى مين؟
حسن ما ردش عليا، قرب من الباب وبص من العين السحرية، ووشه اتخطف. لفت وشي للمحامي عادل وسألته
انطق يا أستاذ عادل.. مين ده؟
عادل مسح العرق من على جبينه وقال بصوت مرعوش
ده منصور.. ابن عم جوزك الله يرحمه. هو اللي كان ماسك المصنع طول السنين دي، وهو اللي كان بيبعت الفلوس بانتظام.. بس من شهرين عرف إن الحساب البنكي وصل لمبلغ ضخم، وعرف إن ولادك كبروا والمفروض يستلموا نصيبهم في الأرض والمصنع.. وده معناه إنه هيطلع برا اللعبة خالص.
حسن فتح الباب على العوجة من غير ما يشيل السلسلة، وقال بخشونة
عايز إيه يا منصور؟ ده وقت حد يخبط فيه كده؟ الناس لسه فاطرة!
صوت منصور جه من برا، صوت فيه غل وحقد عمري ما سمعته
افتح يا حسن.. أنا عارف إن المحامي عادل
عندك. والورق اللي معاه ده يخصني أنا. الأرض دي أرضي والمصنع تعبي، مش هسيب شقفة عيال ياخدوا شقى عمري عشان ورقة قديمة
تم نسخ الرابط