الوصيه بقلم روماني مكرم

لمحة نيوز

يخرج برا الصورة خالص، وأنا استلم المصنع بصفتي الوكيل القانوني الوحيد ليكي ولادك بعد ما أقنعك تتنازلي لي عن الإدارة.
منى اتكلمت وهي بترتعش
والرسايل اللي كانت بتجيلي؟
عادل بص لها باحتقار
كنت ببعتها عشان تفضلي خايفة ومرعوبة، وعشان لو فكرتي تتكلمي مع حسن، تفتكري إن ولادك في خطر. بس غباءك خلى الورقة تقع في إيد أخت حسن، وده سرع الخطة شوية.
قرب مننا خطوة، ورفع المسدس في وش حسن
دلوقتي.. الفلاشة اللي معاك يا حسن، والظرف الأبيض اللي فيه سر منصور.. سلمهم لي، وهتمضي يا مدام على ورقة التنازل دي بهدوء، وأوعدكم إنكم تخرجوا من هنا سليمين.. كفاية دم لحد كده.
حسن بص لي، ولمحت في عينه نظرة مكنتش فاهماها.. نظرة معناها اثبتي. وفجأة، حسن قال بصوت عالي
الفلاشة مش معايا يا عادل.. الفلاشة مع الراجل اللي كان واقف تحت الشجرة.
عادل اتوتر للحظة والكشاف اتهز في إيده
راجل مين؟ إنت بتخرف بتقول إيه؟
حسن كمل بثبات
الراجل اللي شفته يا عادل مكنش من رجالتك، ولا من رجالة منصور. ده كان سعد المحاسب.. سعد اللي إنت كنت فاكر إنك خلصت منه. سعد مكنش هربان، سعد كان مستني اللحظة اللي تظهر فيها على حقيقتك، وهو دلوقتي بيسجل كل كلمة بتقولها من الموبايل اللي أنا فاتح فيه المكالمة من أول ما النور قطع!
عادل وشه اتشنج، وبص للموبايل اللي كان محطوط على التربيزة وفعلاً كان منور ب مكالمة جارية.
في اللحظة دي، جرس الباب رن.. مش رنة واحدة، ده كان ضرب نار برا في الطرقات، وصوت خبط عنيف على باب المطبخ وباب الشقة في نفس الوقت.
عادل ارتبك وبدأ يتلفت حواليه زي الفار المحبوس، والمسدس بدأ يترعش في إيده. حسن استغل اللحظة دي وهجم عليه بكل قوته، والاتنين وقعوا على الأرض والمسدس اتنطر بعيد في الضلمة.
صرخت بأعلى صوتي
الحقونا! يا ناس الحقونا!
الباب الخشبي اتكسر، ودخل منه رجالة بملابس مدنية، ومعاهم الراجل اللي كان واقف تحت الشجرة.. سعد المحاسب.
سعد جرى على حسن وعادل اللي كانوا بيصارعوا بعض، وقدر يكتف عادل بمساعدة الرجالة اللي معاه. سعد بص لي وقال بنبرة مليانة أسف
حمد لله على السلامة يا مدام.. أنا آسف إني اتأخرت، بس كان لازم نوقع الراس الكبيرة وهو متلبس.
النور رجع فجأة.. والشقة كانت مقلوبة، والشرطة بدأت تملى المكان. عادل كان متكلبش في الأرض، ووشه مليان تراب ودم.
سعد قرب مني ومعاه الدفتر الأسود اللي منى حكت عنه، وقال لي
الدفتر ده يا مدام.. فيه الحقيقة كاملة. بس الحقيقة دي مش بس هترجع حقكم.. دي هتفتح أبواب لأسماء ناس تانية إحنا مكنتنش نتخيل إنهم ليهم يد في اللي حصل لجوزك.
بصيت لسعد وسألته بخوف
يعني
إيه؟ جوزي مات مقتول يا سعد؟
سعد سكت، وبص لحسن، وبعدين بص لي وقال جملة خلت جسمي كله يتلج
جوزك ماماتش في حادثة طريق عادية يا مدام.. الحادثة كانت مدبرة، والورقة الأخيرة في الدفتر ده فيها الاسم اللي دفع الفلوس عشان ده يحصل.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
وقفت مكاني والزمن كأنه اتوقف، الدفتر الأسود في إيد سعد كان بالنسبة لي زي الصندوق الأسود اللي بيحكي لحظات الكارثة. بصيت لحسن، لقيت عينه في الأرض، ملامحه كانت غريبة.. كأنه عارف اللي مكتوب جوه وخايف منه.
سعد قرب مني والهدوء اللي في عينه كان بيخوفني أكتر من رصاص عادل. فتح الصفحة الأخيرة، وحط صباعه على اسم مكتوب بخط يد مهزوز، وقال بصوت واطي
جوزك الله يرحمه كتب الاسم ده قبل ما ينطق أنفاسه الأخيرة في المستشفى.. كتبه للممرضة وهي اللي سلمتهولي.
نزلت عيني على الورقة.. كنت متوقعة أشوف اسم عادل، أو منصور، أو حتى حد من تجار الموت اللي حكى عنهم عادل. لكن الاسم اللي شفته خلاني أحس إن روحي بتتسحب مني.
الاسم كان عطوة الهواري.
بصيت لسعد بذهول وقلت بصرخة مكتومة
عطوة؟ الحاج هواري؟ الراجل اللي كان واقف يدافع عننا تحت الشارع من شوية؟ الراجل اللي جوزي كان بيقول عليه إنه السند والبركة؟
سعد هز راسه بأسى
يا مدام، في عالم البيزنس والمصانع، مفيش بركة.. في مصالح. الحاج هواري مكنش بيدافع عنكم عشان سواد عيونكم، كان بيدافع عن سرقته. هو اللي كان بيدي الأوامر لعادل ومنصور، ولما لقى إن منصور هيفضحه بتصرفاته الغبية، قرر يضحي بيه ويظهر هو في صورة البطل المنقذ عشان يفضل قريب منكم ويضمن إن الدفتر ده ما يقعش في إيد حد.
حسن اتكلم فجأة وصوته مخنوق
أنا كنت شاكك يا أختي.. من يوم ما شفت الحاج هواري بيعرض المساعدة بزيادة، وقلبي مكنش مستريح. بس مكنتش أقدر أتكلم من غير دليل، وعادل كان هو الخيط اللي هيوصلنا له.
في اللحظة دي، سمعنا صوت حركة برا الشقة. الشرطة كانت بدأت تنسحب مع عادل، بس في عربية سوداء فخمة كانت لسه واقفة تحت العمارة.
عطوة الهواري نزل من العربية، وبص لفوق.. عينه جت في عيني وأنا واقفة في البلكونة. مكنتش نظرة حنان زي ما شفتها من شوية، كانت نظرة صقر مستني فريسته، نظرة بتقول أنا لسه هنا.
سعد قفل الدفتر بسرعة وقال
دلوقتي مفيش وقت للدموع. الحاج هواري لسه معاه رجالة ولسه معاه نفوذ. هو فاكر إننا معانا الدفتر بس، ميعرفش إننا معانا التسجيل اللي عادل قاله وهو فاكر إن النور مقطوع.
منى جرت علينا وهي ماسكة ولادي
يا حسن.. هنعمل إيه؟ الراجل ده مش هيسيبنا نعيش بعد اللي عرفناه.
حسن خد مني الدفتر، وبص لسعد وقال
بصوت فيه قوة مسمعتهاش منه قبل كده
يا سعد، إنت والرجالة اللي معاك هتاخدوا أختي وولادها وتخرجوا من باب الجراج.. هتروحوا لمكان أمان أنا بلغت البوليس بيه.
قلت له بخوف
وإنت يا حسن؟
حسن ابتسم وقال
أنا هقعد هنا.. هستنى الحاج هواري. لازم الحكاية دي تخلص النهاردة، والراس الكبيرة لازم تقع في الفخ اللي نصبه لنفسه.
سعد مسك إيدي وبدأ يشدني ناحية المطبخ عشان نخرج من السلم الخلفي، وأنا قلبي واكلني على أخويا. بصيت لحسن لآخر مرة، لقيته قاعد على الكرسي في نص الصالة، ومنور أباجورة صغيرة، وحاطط الموبايل قدامه.. ومستني.
أول ما نزلنا الجراج وركبنا عربية سعد، سمعنا صوت انفجار صغير جاي من ناحية العمارة.. وبعدها صوت سرينات بوليس تانية خالص، مش اللي كانت موجودة، دي كانت قوات خاصة.
سعد داس بنزين وطار بينا، وأنا بصرخ
حسن! أخويا يا سعد! رجعني لحسن!
سعد رد عليا وهو باصص في المراية
حسن مش لوحده يا مدام.. حسن معاه الأمانة اللي جوزك سابها، والليل ده مش هيعدي غير والحق راجع لأصحابه.. أو البيت كله مهدود.
الطريق كان ضلمة، والولاد نايمين في حضني مش حاسين باللي بيحصل، ومنى كانت بتدعي بصوت واطي. وفجأة، موبايل سعد رن.. فتحه وحطه على الاسبيكر.
صوت حسن جه من الناحية التانية، بس كان فيه صوت دوشة وجري
سعد.. بلّغ أختي إن الأمانة وصلت، وإن الاسم اللي في الدفتر مابقاش ليه وجود.. بس في حاجة تانية اكتشفتها في اللحظة الأخيرة.. حاجة تخص جوزها مكنتش تخطر على بال بشر.
حبست أنفاسي وأنا سامعة صوت حسن في الموبايل وسط الدوشة. صوت ضرب نار بعيد وصوت تكسير، وبعدين سكتت الضجة تماماً وحل سكوت مرعب. صرخت في الموبايل حسن! رد عليا يا حسن! إيه اللي حصل؟
رد حسن وصوته كان متهدج بس فيه راحة غريبة
اهدي يا أختي.. أنا بخير. الحاج هواري كان فاكر إنه داخل يخلص على اللي فاضل، مكنش يعرف إن البيت كله كان متراقب بالصوت والصورة من سعد والرجالة اللي معاه. اتمسك وهو بيحاول يحرق الدفتر اللي أنا سيبتهوله على التربيزة.. اتمسك متلبس بجريمة قتل سعد اللي كان فاكر إنه لسه جوه الشقة.
سألت بلهفة والحاجة اللي اكتشفتها في اللحظة الأخيرة؟ قلت إنها تخص جوزي!
حسن سكت شوية، وبعدين قال بنبرة مليانة خشوع
يا أختي، جوزك الله يرحمه مكنش مجرد ضحية..
جوزك كان هو اللي زرع سعد جوه المصنع من سنين. الحادثة اللي حصلتله مكنتش عشان يسكتوه، الحادثة حصلت لأنه كان خلاص رايح يسلم الأدلة للنيابة. وفي اللحظة الأخيرة قبل ما يموت، كان مأمن مبلع ضخم جداً تحت اسم جمعية خيرية مكنش حد يعرف عنها حاجة.. الجمعية دي هي اللي كانت بتصرف عليكي
وعلى ولادك طول السنين اللي فاتت يا أختي. مكنتش فلوسي، ولا كانت فلوس منصور.. كانت فلوسه هو، شقاه اللي تعب فيه عشان يضمن إنك ماتحتاجيش لمخلوق حتى لو هو مش موجود.
دموعي نزلت مغرقة وشي.. يعني طول السنين دي، كان لسه بيحميني؟ كان لسه بيطبطب عليا من بعيد؟
سعد وقف العربية قدام فيلا قديمة على أطراف القاهرة، وقال بابتسامة
وصلنا.. ده المكان اللي جوزك اشتراه باسم الجمعية، والنهاردة المكان ده هيرجع لولاده.
بعد أسبوع واحد، كانت الدنيا اتغيرت تماماً.
منصور وعادل والحاج هواري بقوا ورا القضبان، والقضية بقت قضية رأي عام عن عصابة غسيل الأموال اللي وقعت بفضل شجاعة كاتب حسابات وأخ وفيّ.
وقفت في بلكونة بيتنا الجديد، والولاد بيلعبوا في الجنينة وصوت ضحكهم مالي المكان. حسن كان واقف جنبي، وبص لي وقال
دلوقتي تقدري تنامي وانتي مرتاحة يا أختي.. السر اتقفل، والحق رجع، وولادك بقوا أصحاب المصنع اللي أبوهم ضحى بحياته عشانه.
بصيت للسما، وحسيت بنسمة رمضان الباردة بتلمس وشي، وكأنها رسالة منه بتقول لي إنتي مش لوحدك.
نزلت تحت عشان أجهز السحور لآخر يوم في رمضان، ومنى كانت واقفة بتساعدني وهي بتضحك من قلبها لأول مرة. الأمان رجع يرفرف على بيتنا، والستارة اتقفلت على حكايات الخوف، وبدأت حكاية جديدة.. حكاية ولاد الغالي اللي كبروا وبقوا هما السند لبعض.
وإحنا قاعدين على السفرة، حسن بص لي وطلع من جيبه ورقة صغيرة مطوية، وقال بهزار
دي وصية مني أنا بقى.. المرة الجاية لما تعزميني على فطار، بلاش دراما وقصص رعب، أنا عايز آكل محشي في هدوء!
ضحكنا كلنا من قلبنا، وعرفت إن مهما كانت الدنيا صعبة، طول ما السند موجود، والقلوب صافية، الشمس لازم تطلع وتغسل ظلام الليل.
الحكمة من هذه القصة تتلخص في عدة نقاط تمس حياتنا الواقعية، وهي
السند الحقيقي أن السند ليس بمجرد القرب أو صلة الدم، بل هو بالمواقف وقت الشدة. حسن كان نموذجاً للأخ الذي يحمي ويخطط بذكاء، وليس بمجرد المشاعر العاطفية.
الحق لا يموت مهما طال الزمن ومهما بلغت قوة الظالم مثل الحاج هواري ونفوذه، فإن خيوط الحقيقة لا بد أن تترابط في النهاية لتكشف الوجوه المزيفة.
الإخلاص وبعيد النظر زوج البطلة لم يترك أسرته للصدفة، بل خطط لتأمينهم حتى وهو في مواجهة الخطر، مما يعلمنا أن العمل الصالح والتدبير الحكيم يظلان حماية للأبناء حتى بعد رحيل الآباء.
الحذر من الوجوه الطيبة ليس كل من يبتسم في وجهك ويظهر بمظهر المنقذ هو صادق كما فعل الحاج هواري؛ فالحكمة تقتضي ألا نعطي ثقتنا الكاملة إلا لمن أثبتت الأيام والشدائد معدنه الأصيل.
قوة الصبر الصبر
على الابتلاء اليتم والترمل كانت نتيجته مكافأة كبيرة ورد اعتبار أمام الجميع

تم نسخ الرابط