جوزي مسافر الخليج بقلم روماني مكرم

لمحة نيوز

قولت
يا ماما، أنا نازلة أجيب شوية طلبات للبيت عشان سحور وقفة العيد، العيال هيفضلوا معاكي ثواني وراجعة.
ردت من جوه الأوضة بصوت فيه لهفة غريبة ماشي يا سعاد، خدي وقتك يا بنتي، العيال في عينيا.
نزلت فعلاً، بس مروحتش السوبر ماركت.. وقفت تحت البيت في مدخل العمارة اللي جنبي، وراقبت الباب. مفيش عشر دقائق، ولقيت الحاجة فوزية نازلة، لابسة العباية الجديدة وشايلة الشنطة اللي فيها الطقم الرجالي، وماشية بتتلفت حواليها زي اللي عاملة جريمة.
مشيت وراها من بعيد، قلبي كان بيدق زي الطبول.. وصلت لحد كافيه هادي بعيد عن منطقتنا بشويتين، ولقيتها قاعدة ومبتسمة وبتقابل شاب في العشرينات، لابس لبس مودرن وشكله غريب عن عيلتنا خالص. أول ما شافها، قام باس إيدها وأخد الشنطة بلهفة وفتحها يشوف الطقم.
طلعت الموبايل وصورتهم فيديو وهما بيضحكوا، وهي بتطلع رزمة فلوس من شنطتها وتديهاله وتطبطب على كتفه. في اللحظة دي، مكنتش قادرة أصبر أكتر من كده.. كان لازم أعرف مين ده.
قربت من الترابيزة بخطوات واثقة، ووقفت فوق راسهم وقولت بابتسامة باردة
منور يا سي محمود.. قصدي، منور يا ضيف الحاجة فوزية العزيز.. مش تعرفينا يا ماما، مين الشاب الشيك اللي لابس من فلوس تعب ابنك في الغربة؟
الحاجة فوزية وشها بقى ألوان، والشاب اتسبت في مكانه وهو ماسك الطقم. قامت مفزوعة وقالت بتهتهة
س.. سعاد! إنتي إيه اللي جابك هنا؟ ده.. ده عصام ابن خالة جارتنا، كان بيخلصلي مصلحة.
بصيت لعصام ده من فوق لتحت وقولت مصلحة ببدلة وغدوة وموبايل جديد؟ ده مصلحة غالية أوي يا ماما.. بس تصدقي، الفيديو اللي صورته ده منظره تحفة، تفتكري لو بعته لمحمود دلوقتي على الواتساب، هيقول عليه مصلحة برضه ولا هيقول
حاجة تانية؟
عصام لما سمع سيرة محمود والفيديو، خد بعضه وجري وساب الشنطة والفلوس على الترابيزة. الحاجة فوزية قعدت مكانها وهي بتنهج وقالت بكسرة أبوس إيدك يا سعاد، بلاش محمود يعرف.. والله العظيم ده ابن أخويا من الأب اللي مكنتش أعرف عنه حاجة، وظهرلي فجأة وقالي إنه محتاج يجهز نفسه عشان يخطب، وصعب عليا.
ضحكت بمرارة وقولت يصعب عليكي بفلوس ولاد ابنه؟ يصعب عليكي وإنتي كاسرة خاطر العيال ومنشفة ريقهم؟
خدت الشنطة والفلوس اللي كانت على الترابيزة وحطيتهم في شنطتي، وقولت لها بلهجة مفيهاش تفاهم
دلوقتي يا ماما، إحنا هنرجع البيت.. والفلوس اللي باقية دي هترجع لمكانها، والموبايل اللي كنتي هتجيبيه لعصام، محمود هو اللي هيجيبه لنفسه لما ينزل.. وإلا، الفيديو ده هينزل على جروب العيلة قبل ما نوصل البيت، وساعتها وريني هتصلحي صورتك إزاي!
روحت البيت وأنا حاسة إني سعيدة بجد.. مش عشان الفلوس، عشان الموقف اتقلب تماماً. الحاجة فوزية دخلت أوضتها مكسورة، ومبقتش تفتح بوقها بكلمة.
بس الفرحة مكملتش.. وقبل الفجر بساعة، الموبايل رن.. كان محمود!
رديت بلهفة أيوة يا محمود، كل سنة وإنت طيب يا حبيبي.
لقيت محمود صوته مخنوق وبيعيط وقال جملة نزلت عليا كأنها صاعقة
الحقي يا سعاد.. أنا في المستشفى، وعملت حادثة بالعربية وأنا راجع من الشغل، والدكاترة بيقولوا لازم عملية فوراً ومحتاج مبلغ كبير أوي مش معايا دلوقتي.. تصرفي يا سعاد، الفلوس اللي بعتها ليكي ولأمي موجودة؟
بصيت لشنطة الفلوس اللي لسه واخدها من حماتي، وبصيت لأوضة الحاجة فوزية.. ولقيت نفسي في اختبار أصعب من كل اللي فات.
الدنيا لفت بيا، والسما اللي كانت صافية في عيني اسودت في لحظة. محمود، سندي وشقى عمري،
واقع في غربته ومحتاجني وأنا هنا بيني وبينه بلاد وبحور. قفلت السكة معاه وأنا بكلم نفسي زي المجنونة يا رب استرها، يا رب رجعه لعياله بالسلامة.
بصيت لشنطة الفلوس اللي كانت على الترابيزة، الفلوس اللي كنت لسه منتصرة ومنتشية إني رجعتها من حماتي. فتحتها بسرعة وقعدت أعد.. المبلغ اللي الحاجة فوزية صرفته على العبايات والطقم بتاع عصام والمصاريف اللي ملهاش لازمة كان كبير، واللي باقي ميكملش نص تمن العملية اللي محمود محتاجها.
دخلت أوضة حماتي من غير ما أخبط، لقيتها قاعدة بتعيط ومخبية وشها. أول ما شافتني قامت مفزوعة في إيه يا سعاد؟ محمود عرف حاجة؟
قلتلها والدموع مغرقة وشي محمود بيموت يا حاجة فوزية.. عمل حادثة ومحتاج عملية فوراً، والفلوس اللي بعتها وصرفتيها على المظاهر والجدع اللي اسمه عصام، هي اللي كانت هتنفد ابلك!
الست وقعت من طولها وصوت صوتها جاب الجيران، قعدت تلطم وتقول يا مراري يا ابن قلبي، يا شقاك يا محمود اللي ضيعته بإيدي.. ياريتني كنت انقطعت قبل ما أمد إيدي على قرش واحد.
سيبتها وطلعت الصالة، عقلي شغال زي المكنة. كلمت أخويا سيد وقلتله على اللي حصل
يا سيد، محمود في ضيقة، والفلوس اللي معانا مش كفاية.. اتصرف يا أخويا، شوف حد يشتري غويشتين بتوعي، أو نتصرف في أي حاجة.
سيد قالي يا سعاد يا حبيبتي، بكرة الوقفة والبنوك قافلة، ومحدش هيشتري دهب دلوقتي ولا هيعرف يفك زنقة بالسرعة دي.. إنتي معاكي كام؟
قلتله المبلغ، قالي ده قليل أوي يا سعاد.. حاولي تشوفي الحاجة فوزية، مش كان عندها قرشين شايلاهم للزمن؟
روحت لحماتي لقيتها في حالة ذهول، قلتلها بحدة يا ماما، مفيش وقت للندم، محمود محتاج الفلوس دلوقتي، وإلا العملية مش هتم.. معاكي حاجة
تانية؟ أي دهب؟ أي فلوس شايلاها؟
بصتلي بحزن وقالت والله يا بنتي ما معايا غير اللي شوفتيه، وعصام ده كان واهم سني ومضحوك عليا بكلمتين.. بس.. سكتت فجأة وطلعت مفتاح من صدرها، وقامت فتحت سحارة الكنبة القديمة اللي في الصالة، وطلعت علبة قطيفة قديمة ومتربة.
فتحتها، ولقيت فيها كردان دهب تقيل أوي، من بتاع زمان. قالتلي وهي بتترعش ده كان ورثي من أمي، كنت شايلاه لليوم الأسود، ومفيش أسود من اليوم ده يا بنتي.. خديه، حاولي تتصرفي فيه بأي تمن، المهم محمود يقوم بالسلامة.
أخدت الكردان وجريت على أخويا سيد، وفضلنا نلف طول الليل والناس بتجهز للكعك والفرحة، وإحنا بندور على حد يفتح لنا محل دهب أو يسلفنا بضمان الكردان.
وفي عز اليأس، رن موبايلي.. رقم غريب من الخليج! قلبي سقط في رجلي، رديت وأنا بترعش أيوة.. محمود؟
لقيت صوت راجل غريب بيقولي يا مدام سعاد، أنا أبو راشد كفيل محمود وصاحب الشغل.. محمود عمل حادثة كبيرة فعلاً، بس أنا حبيت أطمنك إننا نقلناه أحسن مستشفى وكل المصاريف مدفوعة، ومحمود دلوقتي في العمليات وادعيله يقوم بالسلامة.
وقعت مكاني من الصدمة والراحة في نفس الوقت، بس فجأة سألت نفسي أبو راشد عرف رقمي منين؟ ومحمود كان لسه بيكلمني وبيقولي اتصرفي في فلوس؟
بصيت للموبايل، وبصيت للكردان اللي في إيدي، وحسيت إن في حاجة غلط.. حاجة كبيرة أوي بتحصل من ورا ظهري، ومحمود مخبيها عليا!
وقفت في نص الشارع والناس بتجري حواليا بشنط الكعك واللبس، وأنا ماسكة الموبايل وإيدي بتترعش. الكردان في إيدي، وفلوس حماتي في شنطتي، ومكالمتين عكس بعض تماماً! محمود بيموت ومحتاج قرشين، وأبو راشد بيقولي كله تمام والعملية مدفوعة.
قلت لنفسي يا سعاد، اهدي.. محمود مستحيل
يكدب في موته، بس أبو راشد ده صوته غريب،
تم نسخ الرابط