أنا جوزي مطلقني بالتلاته ( حكايات روماني مكرم )
المحتويات
بحذر، والصدمة لجمت الكل.. مكنش عصام!
كانت حماتي القديمة، أم عصام، واقفة والدموع مالية وشها، وهدومها متبهدلة، وفي إيدها اليمين ابني الكبير أدهم، وفي إيدها الشمال بنتي الصغيرة فريدة، والاتنين مكلبشين في جلبيتها وبيعيطوا ومنهارين.
أمي أول ما شافت العيال جريت عليهم وخدتهم في حضنها، وأنا طلعت من ورا الحيطة برعشة وبقيت ببص لحماتي وأنا مش فاهمة حاجة. أبويا سألها بذهول أم عصام؟ في إيه؟ وإيه اللي جابك بالشكل ده؟ وفين ابنك؟
أم عصام دخلت الصالة وركبتها مش شايلاها، قعدت على أول كرسي وقالت وهي بتنهج وتبكي بحرقة
الحقوني يا حج مكرم.. الحق يا باشمهندس.. عصام اتجنن! عصام من ساعة ما رجع أول امبارح وهو مش وعي للدنيا، الغل عماه، وقفل على نفسه الأوضة وكل شوية يكسر في البيت ويقول مش هسيبها تتهنى، والنهارده لقيت معاه سلاح.. س كينة كبيرة وعمال يسن فيها ويقول هروح أخلص عليهم كلهم في كتب الكتاب عشان أرتاح وأريح الناس من الفجر ده!
أول ما سمعت كلمة سلاح جسمي كله ساب، بس حماتي كملت وصوتها بيرتعش
أنا لما شفته كده خفت على العيال وخفت عليه يضيع نفسه ويضيعنا.. استغفلته وهو في الحمام، وخدت العيال في إيدي وجريت بيهم في التاكسي جيتلكوا هنا.. عصام زمانه نازل ورايا أو بيدور عليا، أرجوكم احموا العيال، عصام مش في وعيه وممكن يرتكب جناية!
في اللحظة دي، الشارع تحت بدأ صوته يعلى.. صوت كلكسات عربيات وزعيق ناس. ياسر بصلنا وقال لحماتي القديمة كتر خيرك إنك لحقتي العيال يا أمي، أنتِ عملتِ الصح. وبص لأبويا وقال بنبرة حديد يا عمي، اقفل الباب ده بالمفتاح والترباس، ومحدش يفتح مهما حصل، وأنا نازل ل عصام.
مسكت في قميص ياسر وأنا بصرخ والدموع مغرقاني لا يا ياسر! أرجوك متنزلوش، عصام معاه سلاح وهيضيعك! أنا مش عاوزه أخسرك بعد ما لقيتك!
ياسر بص في عيوني ونظرة الأمان والرجولة اللي فيهم خلتني أهدأ غصب عني، مسك إيدي وقال برقة أنا وعدتك يا رانيا إن مفيش مخلوق هيلمس شعره منك ولا من ولادك، وأنا راجل وبوفي بوعدي.. عصام آخره قرب، والبلطجة دي مش هتمشي معايا.
ياسر سابني ونزل، وأبويا قفل الباب ورا السلاسل والترابيس. جريت على الشباك وفتحت الشيش حتة صغيرة وبصيت..
عصام كان واقف في نص الشارع، لابس هدوم مش مظبوطة، وشعره منكوش، وفي إيدو فعلاً س كينة كبيرة بيشاور بيها للناس ويصرخ أنزل يا ياسر! أنزل يا قمع يا اللي جاي تاخد مراتي! لو راجل أنزلي!.. الناس في الشارع كانوا واقفين بعيد وخايفين يقربوا منه لمنظره المجنون.
وفجأة، باب العمارة اتفتح.. وخرج منه ياسر.
ياسر مكنش بيجري ولا كان مخضوض، كان ماشي بخطوات بطيئة ورزينة، حاطط إيد في جيبه والإيد التانية فاضية، وعيونه مثبتة على عصام بقوة غريبة.
عصام أول ما شاف ياسر، جري عليه ورفع السلاح وهو بيصرخ هقت لك يا ياسر! هقت لك وأغسل عاري!
الشارع كله كتم أنفاسه، وأنا حطيت إيدي على بوقي عشان مأصرخش.. وعصام بيقرب من ياسر وبيمد الس كينة بكل غل عشان يضربوا في صدره.. يا ترى ياسر هيتصرف ازاي؟ وهل اللحظة دي هتكون نهاية الحلم، ولا ياسر مخبي مفاجأة تقلب الترابيزة على عصام وتنهي جنونه للأبد؟
في جزء من الثانية، والسكينة على بُعد سنتيمترات من صدر ياسر، الشارع كله صرخ، وأنا غمضت عيني ووقعت في الأرض وأنا حاسة إن روحي بتتسحب مني. لكن اللي حصل خلّى الكل يفتح بقه بذهول.
ياسر متفاداش الضربة وبس، دا كان مرتب خطوته بدقة مهندس؛ في نفس اللحظة اللي عصام مد فيها إيده بالسكينة، ياسر ميل جسمه بحركة سريعة، ومسك معصم إيد عصام بقوة تكسر العضم، وبلفتة ذكية وثقيلة من رجليه، كعبل عصام ونزل بيه على الأرض بطريقة خلّت السكينة تترمي بعيد على الرصيف.
عصام اتفرد على ظهره والنفس مقطوع منه، وياسر ثبت ركبته فوق صدره وضغط على إيده وهو بيقول بصوت جهوري هز الشارع
أنا مبتهددش يا عصام.. والبلطجة اللي كنت بتعملها على ست غلبانة، متعملهاش على رجالة!
وفي نفس اللحظة، ظهرت عربية بوكس شرطة من أول الشارع، ونزل منها ظابط ومعاه أمناء شرطة جريوا على عصام وكلبشوه وهو على الأرض. ياسر وقف، ونفض الهدوم بتاعته بكل هدوء، وبص للظابط وقال
يا فندم، المحضر اللي قدمناه الصبح في النيابة مثبت فيه كل التهديدات، والنيابة كانت مطلعة أمر ضبط وإحضار، والراجل ده جه بنفسه وأهو ممسوك متلبس بمحاولة قتل وسلاح أبيض في إيده والشارع كله شهود.
عصام وهو بيتسحب على عربية البوكس، كان بيبص لياسر بنظرة انكسار وغل، ويبص لفوق للشباك بتاعي وهو بيصرخ بصوت مبحوح مش هسيبك يا رانيا.. مش هسيبك!، بس صوته كان بيضيع مع صوت سرينة البوكس اللي حركت وخدته للمكان اللي يستحقه.
الناس في الشارع صقفت لياسر، وأبويا نزل جري وراه وأخذه في حضنه وهو بيقوله رفع راسي يا ابني، الله يصونك ويحميك لشبابك.
طلعوا الشقة، وأنا كنت واقفة ورا الباب، دموعي مش راضية تقف بس المرة دي دموع راحة وأمان. ياسر دخل، وبصلي وابتسم ابتسامته الصافية اللي بتنسيني الدنيا، وقال
خلاص يا رانيا.. الكابوس انتهى، وولادك في حضنك، ومفيش مخلوق في الدنيا يقدر يقرب منك طول ما أنا عايش على وش الأرض.
أدهم وفريدة جريوا عليا وعلى ياسر، وياسر وطى وشال فريدة على كتفه وطبطب على أدهم، والعيال لأول مرة من سنة ونص تضحك من قلبها. حماتي القديمة قعدت تبكي وتقول سامحيني يا رانيا، ابني طاش وعمى عينه الغل، بس الباشمهندس راجل بجد، وأنا مطمنة على عيال ابني معاكوا.
المأذون رجع قعد مكانه، وظبط نظارته وهو بيبتسم وقال يلا يا جماعة، نكتب الكتاب بقا والخير يمر.
أبويا حط إيده في إيد ياسر، والمأذون بدأ يملي عليهم الكلمات.. وأنا قلبي بيرقص من الفرحة، الحلم القديم اللي كنت بخاف أبص له في ممرات الجامعة، بقا حقيقة وبقى جوزي وحمايتي على سنة الله ورسوله. المأذون قال جملته الأخيرة بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
ومرت الأيام بسرعة.. ياسر جهز كل حاجة، وخلصنا أوراق السفر للعيال، وأهلي كانوا طايرين من الفرحة وأنا شطبت كل سنين النكد ورا ضهري.
وجيه يوم السفر.. كنا واقفين في مطار القاهرة، ياسر ماسك إيدي اليمين، وإيدي الشمال ماسكة العيال، والشنط جاهزة عشان نبدأ حياتنا الجديدة بره مصر.
وقبل ما ندخل بوابة الجوازات، لقيت حد بيخبط على كتفي من ورا.. لفيت وأنا مخضوضة، ولقيت واحدة ست لافّة وشها بطرحة سودا، قربت مني وقالت بصوت واطي ومرعب
مفتكرة إنك هتهربي بالسهولة دي وتعيشي حياتك؟ عصام خرج بكفالة على ذمة القضية.. وهو مستنيكم بره المطار ومعاه ناس!
أنا اتمسمرت في مكاني، وبصيت لياسر، وياسر ملامحه اتغيرت تماماً وبص لبره المطار.. يا ترى إيه اللي هيحصل ؟ وهل عصام هيقدر يوقف سفرنا في آخر لحظة؟
الكلمات نزلت عليا كأنها صاعقة، المطار اللي كان بالنسبالي بوابة الحرية وبداية الحلم، اتقلب في ثانية لمصيدة. دموعي نزلت وعيني راحت
متابعة القراءة